رابطة شيء ضعيف بقوته ، فالشيء حينما يتحرك نحو كماله يتحرك من نفسه إلى نفسه ، أو قل من نفسه التي لم تصل إلى شخصيتها إلى أن تجد شخصيتها الواقعية بكمالها . فالنبات الذي يشق الأرض وينمو ويجد لنفسه عودا وفرعا وورقا ، لم يتحرك في سيره هذا من نفسه إلى غير نفسه ، ولو كان شاعرا بنفسه لم يشعر ببعد عن نفسه أو شخصيته .
وبعد هذه المقدمات نستطيع الآن أن نصل إلى : أن بين العلاقة باللهّ والحركة نحوه وعبوديته والتسليم له وبين أي حركة أخرى وعلاقة أخرى وعبودية أخرى وتسليم آخر ، تفاوتا كثيرا وبعدا كبيرا كبعد المشرقين ، فإن العبودية للهّ هي الحرية ، وإن العلاقة به هي العلاقة الوحيدة التي ليس فيها جمود وتوقف ، وعبودية وحيدة ليس فيها فقدان الشخصية ونسيان الذات .
والدليل على ذلك : هو أن اللّه سبحانه هو كمال كل موجود ، وهو المعبود الفطري لجميع الموجودات : « وان إلى ربك المنتهى » إذن : فالعبودية له هي الحرية ، وفقدان الشخصية فيه هو وجدان للشخصية الواقعية .
وقد توصلنا هنا إلى نقطة نستطيع معها أن نوضح ما يشير إليه القرآن الكريم : بأن نسيان اللّه هو نسيان للذات ، وفقدان اللّه هو فقدان الذات ، والانقطاع عن اللّه هو الانقطاع والسقوط .
خسران الذات ونسيانها :
أتذكر أني منذ ثمانية عشر عاما التفت لأول مرة - في جلسة خاصة كنت أفسر فيها آيات من القرآن الكريم - إلى أن القرآن يستعمل كلمات خاصة في شأن بعض البشر ، فيقول مثلا : قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون .
هامش
( 1 ) قال هذا في عام 1394 ه - ، فيكون ذلك في عام 1376 ه - .
( 2 ) سورة الأعراف : 53 .