وقد قال بعضهم للخروج عن هذا التناقض : إن شخصية الإنسان أن لا تكون له شخصية خاصة تحده فهو - على مصطلح الفلاسفة - لا تعيني مطلق فحده أن لا يكون له حد خاص يحده ، ولونه أن لا يكون له لون خاص يصوره ويقيده بنفسه ، وشكله أن لا يكون له شكل خاص يشكل عليه الخروج منه ، وقيده أن لا يكون عليه قيد يقيده ويأسره ، وماهيته أن لا تكون له ماهية والإنسان موجود لا طبيعة له ، فاقد لكل نوع من أنواع الاقتضاء الذاتي ، لا لون له ولا شكل ولا ماهية ، وإذا نحن حملناه أي حد أو قيد أو طبيعة أو لون أو شكل سلبناه شخصيته الواقعية .
وهذا الكلام أشبه بالشعر منه بالفلسفة فإن اللاتعينية المطلقة واللالونية واللاشكلية المطلقة إنما تمكن بإحدى صورتين : إحداهما : أن يكون ذلك الموجود منتهى الكمال الفعلي بلا نهاية ، أي يكون وجودا لا حد له ، محيطا بجميع الأزمنة والأمكنة ، قاهرا لجميع الموجودات - كما أن اللّه هكذا - وحينئذ يكون التكامل على هذا محالا ، إذ التكامل هو الانطلاق من النقص إلى الكمال ، ولا نقص في هذا .
والأخرى : أن يكون الموجود فاقدا لكل كمال وفعلية ، أي يكون إمكانا واستعدادا صرفا ، فهو في هامش الوجود وفي ظل العدم ، وهذا لا حقيقة له ولا ماهية ، فهو يقبل كل حقيقة وكل ماهية وكل تعيين . وهكذا موجود - مع أنه لا تعيّن له في ذاته - يكون موجودا دائما في ضمن تعين خاص ، ومع أنه لا لون له في ذاته ولا شكل ولكنه يكون مستقرا إلى ظل موجود له لونه وشكله . وهذا النوع من الوجود هو الذي يسميه الفلاسفة : « الهيولى الأولية » أو « مادة المواد » وهو مستقر في مراتب الوجود المتدرجة إلى الأسفل في هامش الوجود ، كما أن ذات الباري سبحانه مستقرة في مراتب الكمال الوجودي في الطرف الآخر المحيط بجميع الوجود .
والإنسان - كسائر الموجودات - مستقر في وسط هذين الطرفين ، فلا يمكن أن يكون فاقدا لجميع أنواع التعيّنات . وإنما يتفاوت الإنسان عن سائر موجودات العالم بأن لا حد لتكامل الإنسان يوقفه عنه ، بينما تقف سائر الموجودات عند
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 192
مساهمون: هادي اليوسفي
ص١٩٢