تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
وموجبا لبعده عن واقعة الإنساني ويقولون : إن الإنسان لا يكون إنسانا ولا يتمتع بالإنسانية إلّا بمقدار ما يفقد في نفسه التسليم والتمكين والخضوع إذ أن من خواص العلاقة والإعجاب بالشيء أن يجذب ذلك الشيء انتباهه إليه ويسلبه انتباهه إلى نفسه ، بل ينسيه نفسه ، وبالتالي يتبدل هذا الموجود « الحي الواعي » الذي يسمى إنسانا ، وتتلخص شخصيته في هاتين الكلمتين : إلى موجود « أسير غافل » وعلى أثر نسيانه لذاته ينسى قيمه الإنسانية ، ويقف بأسره وعلاقته عن الحركة والرقي ، في نقطة الجمود والركود . فلو كانت فلسفة مكافحة الإسلام لعبودية الدنيا والمادة هي : إحياء شخصية الإنسان المسلم ، لكان عليه أن يمنع عن كل عبادة وكل قيد . بينما لا نشك أن الإسلام إنما يريد تحريره عن المادة والدنيا لتقييده بالمعنى والآخرة ، وإنما يريد تركه للمخلوق لعبادة الخالق . والشعراء العرفاء في الإسلام إنما دعوا إلى التحرر وهم يستثنون منها . فحافظ الشيرازي يقول :
« أنا عبد لمن كان في هذه القبة الزرقاء » . . . * حرا عن كل لون وكل ما يقبل اللون . . . إلّا علاقة خاطره بقمر منير . . * تكون الخواطر بحبه فرحة مع جميع الغموم .
* أنا أجهر بقولي وأنا فرح بندائي هذا : أني عبد لهواه ، وحر عن آخرته ودنياه * وليس على لوح قلبي سوى ( الألف ) من ( اللّه ) .
* ومالي لا أعبد الذي فطرني على هذا . . »
فالعرفان الإسلامي يرى : أنه يجب على الإنسان أن يتحرر عن قيد العالمين ، ولكن يجب عليه أن يتقيد بقيد عبودية « الإله » ويجب أن يكون لوح الضمير غير مسود بأي خط أو رسم أو قلم أو رقم ، إلا رقم « الواحد » ، ولا ينبغي أن يتعلق خاطره بأي شيء سوى ذلك القمر المنير الذي لا يضر معه أي حزن أو ألم ، وهم يعنون به : « اللّه »
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 189 | هادي اليوسفي / مرتضى مطهرى