تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
فالتحرر العرفاني الإسلامي لا يعالج شيئا من مشاكل الإنسان في نظر الفلسفات الإنسانية « الوجودية » إذ هو تحرر نسبي ، تحرر من أشياء لعبودية شيء آخر . والعلاقة هي العلاقة . والأسر هو الأسر ، وان اختلف السبب . ولا شك عند المدارس الفلسفية الإنسانية في القول بأن كل شيء يربط الإنسان بنفسه هو مما يتناقض والشخصية الإنسانية ، إذ هو يجمده ويوقفه . ومسيرة التكامل في الإنسان مسيرة لا نهاية لها فكل ركود فيها يضادها ويناقضها . ولا بحث لنا في هذا ، أي نحن أيضا نقبل هذا الكلام بصورة عامة . إنما الكلام في أمرين : الأول : هل أن القرآن ومعه نهج البلاغة ينظران إلى علاقة الإنسان بالدنيا هكذا فهل الذي يدينه القرآن هي العلاقة الرابطة التي تجعل الدنيا أكبرا لهم وهذا يضاد تكامل الإنسان وحركته وتقدمه واطراده ، وهذا هو السكون والركود والوقوف بل الفناء فهل أن القرآن لا يدين جميع أنواع العلاقة بالدنيا حتى ما لا يكون منها موجبا للوقوف والثاني : لو كانت العلاقة التامة بشيء بحيث تجعله هدفا تستلزم القيد والأسر وبالتالي الجمود والركود ، فما الفرق بين أن يكون ذلك الشيء خالقا أم مخلوقا إن القرآن ينفي كل عبودية ويدعو إلى الإنسانية والحرية المعنوية ، ولكنه لا ينفي عبودية اللّه والعلاقة به ، ولا يدعو إلى التحرر عن الرب بلوغا إلى الحرية التامة المطلقة ، بل إن دعوة القرآن إنما تبتنى على أساس التحرر عما سوى اللّه ، والتمرد عن إطاعة غير اللّه والاستسلام للهّ . إن كلمة : « لا إله إلا اللّه » التي هي أساس بناء الإسلام ، تبتنى على نفي وإثبات ، سلب وإيجاب ، كفر وإيمان ، تمرد وإذعان : فالنفي والسلب والكفر والتمرد بالنسبة إلى غير الحق المطلق ، والإثبات والإيجاب والإيمان والإذعان بالنسبة إلى ذات الحق المطلق . إن أولى الشهادتين في الإسلام ليست « لا » فقط ، كما أنها ليست « نعم » فحسب ، بل هي مركبة من « لا » إله « إلّا اللّه » . فلو كان تكامل الشخصية الإنسانية يوجب تحرره عن كل قيد وطاعة وتسليم