تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
الإهمال ، سواء في الأمور الدينية والأخروية أو الدنيوية . وللمثال نقول : إذا كان الشخص يعيش في دار يعلم بأنه سوف ينتقل منها إلى دار أخرى يعيش فيها أبدا ، ولكنه لا يعلم متى يكون هذا الإنتقال ، لا اليوم والا الشهر ولا السنة . . . فهو يعيش حالة التردد في تعهد العمران بالنسبة إلى كلا الدارين ، إذ لو كان يعلم أنه سينتقل من هذه الدار في القريب العاجل جدا كان يصرف همه للعمل لتلك الدار ويهمل العمل لهذه ، وبالعكس إذا كان يعلم أنه سوف لا ينتقل من هذه الدار إلا بعد لأي من الزمن فإنه سيصرف همه لتعهد العمران في الدار التي هو فيها ويهمل العمل للأخرى ، ويقول في نفسه : يجب عليّ الآن أن أعمل لهذه الدر التي أنا فيها ، وأما الأخرى فسوف نصل للعمل لها فيما سيأتي من الأيام ، فإن الفرص كثيرة ، والأقرب يمنع الأبعد . وفي حالة التردد - الأولى - يأتي دور هذا الحديث ليقول له : بالنسبة إلى هذه الدار التي أنت بها الآن افترض أنك تعيش فيها دهرا من الزمن ، فإن كانت بحاجة إلى العمران فتعهدها بالتشديد والإتقان . . . وبالنسبة إلى تلك الدار الأخرى افترض بالعكس أنك ستنتقل إليها غدا ، فعجل عمرانها وتشييدها قبل الفوت وقبل الموت . والنتيجة الحتمية لهذه النظرة إلى الحياة الدنيا والأخرى : أنه سيعمل بجد لكلا الدارين . . فلنفترض أن إنسانا مسلما يريد أن يطلب علما أو يؤلف كتابا أو يؤسس مؤسسة خيرية تستغرق ردحا من الزمن ، فإن كان يعلم أن عمره لا يكفي للقيام بهذا العمل وأنه سيبقى أثرا ناقصا ، فهنا يقال له : افترض أن عمرك أطول من جميع هذه الأعمال . ولكن نفس هذا الشخص إذا أراد أن يقوم بعمل من أعمال الآخرة من التوبة والصلاة والزكاة وأداء الحقوق التي عليه للهّ وللناس وقضاء ما فات منها ، فإنه يقال له : افترض أنك تموت غدا « فعجل بالتوبة قبل الموت ، وبالصلاة قبل الفوت » و « صل صلاة المودع » إذ لو كان هنا أيضا يفترض أنه سيعيش أبدا فإنه سوف يسوف في الأعمال حتى تبلغ به الآجال . وتبين من هذا المثال : أن افترض بقاء الوقت في بعض الموارد يستلزم الإقدام على العمل ، وافتراض قلة الوقت يستلزم الإحجام عنه . وفي بعض الموارد الأخرى يكون الأمر على عكس هذا تماما ، أي أن افتراض بقاء الوقت