بين العمل للآخرة وللدنيا بمعنى الاستفادة منها ، وإنما الممنوع منه في الإسلام هو الجمع بينهما بمعنى الهدف والغاية . وبعبارة أخرى نقول : إن الاستفادة من الدنيا ليست مما يوجب الحرمان من نعم الآخرة قطعا ، وإنما الذي يوجب ذلك هو ارتكاب الذنوب والآثام لا الاستفادة المباحة من نعم اللّه الحلال في الدنيا : قل من حرم زينة اللّه التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة . والعكس صحيح أيضا ، فليس الإيمان والعمل الصالح مما يوجب حرمان العبد من الدنيا وما فيها أبدا ، إذ كان كثير من الأنبياء والمرسلين والأئمة وعباد اللّه الصالحين الذين لا يشك في إيمانهم وصلاحهم متنعمين بكثير من حلال اللّه في الدنيا . إذن فنقول : لنفترض إنا فهمنا من هذه الرواية ما يوهم أن بين الدنيا والآخرة عداوة ومنافرة ، فإنّا سنرفع اليد عنه بحكم تلك الأدلة القطعية المخالفة . وثانيا - نقول : نحن لو أمعنا النظر في هذا التعبير توصلنا إلى نقطة بليغة لا يبقى معها منافرة بين هذا التعبير مع تلك الأصول المسلمة القطعية . ولكي تتضح لنا تلك النقطة نقدم مقدمة ، فنقول : - إن علاقة الإنسان بالدنيا لا تخلو من إحدى حالات ثلاث : 1 - أن يجعل الدنيا أكبر همة ، والآخرة - مع ذلك - نصب عينيه 2 - أن يجعل الدنيا أمام عينيه ، والآخرة خلف ظهره . 3 - أن يجعل الدنيا وسيلة ، والآخرة غاية . فالحالة الأولى : هي حالة العداوة والمنافرة ، وهي الحالة التي يكون فيها مثلهما كمثل الضرّتين ، أو المشرقين والمغربين والماشي بين هذين . وأما الحالة الثانية : فهي - والأولى - التي ورد النهي عنها في الآيات والروايات .
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 183
مساهمون: هادي اليوسفي
ص١٨٣
هامش
( 1 ) سورة الأعراف الآية : 32 .