وقد أتينا فيما سبق بشواهد من نهج البلاغة على هذا ، وهنا نأتي بشواهد أخرى من نهج البلاغة والقرآن الكريم ، ونبدأ بشواهد القرآن ، فنقول : تنقسم الآيات القرآنية الكريمة التي تتعلق بعلاقة الإنسان بالدنيا إلى قسمين : القسم الأول : آيات تدل على فناء الدنيا وزوالها ، وعدم ثباتها ، وتغيرها وتنكرها ، وانتقالها بأهلها حالا بعد حال : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ، فأصبح هشيما تذروه الرياح ، وكان اللّه على كل شيء مقتدرا . اعلموا أنّما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ، كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما ، وفي الآخرة عذاب شديد . وبدهي أن الإنسان في حياته المادية ليس بأكثر من النباتات التي ينتظرها هذا المصير المحتوم ، أراد أم كره . إذن : فلو أراد أن يكون واقعيا في نظرته إلى الحياة لا شاعرا خياليا والإنسان إنما ينال السعادة بالواقعية لا بالأوهام والخيالات - فلا بد له من أن يجعل هذه الحقيقة نصب عينيه ، ثم لا يغفل عنها أبدا : « وكفى بالموت واعظا لمن اتعظ » . ولكن هذا القسم من الآيات القرآنية إنما هو في الحقيقة مقدمة تمهيدية ، بل صغرى وكبرى قياس واحد لنتيجة تالية في القسم الثاني من الآيات ، فإن هذه الطائفة من الآيات تحاول أن تخرج الحياة الدنيا من تصويرها هدفا وغاية للإنسان في الحياة ، وأن تشير إلى أن هذه الحياة الزائفة الزائلة لا ينبغي أن تكون هدفا للإنسان وغاية له ، ولو كانت هي الهدف لكانت الحياة كلها فارغة جوفاء ، ولكن هناك من بعد هذه الحياة حياة أخرى دائمة باقية خالدة ، هي عالم الآخرة ، ينبغي أن يكون هو الهدف والغاية .
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 178
مساهمون: هادي اليوسفي
ص١٧٨
هامش
( 1 ) الكهف : 45 .
( 2 ) سورة الحديد : 20 .