وخلاصة ما يستفاد من كلام الإمام ( ع ) ، هو : أنه سمع رجلا قد اغتر بغرور الدنيا وخدع بأباطيلها ، فلما ندم ذمها غداة الندامة ، وهو يحسب أنها هي المتجرمة عليه ، فرد الإمام : بأنك أنت المتجرم عليها ، لأنك أنت المغتر بغرورها المخدوع بأباطيلها ، ولكن ليست هي التي استهوتك وغرتك بل قد أذنت ببينها ونادت بفراقها ونعت أهلها ونفسها ، تخويفا وتحذيرا وترهيبا فما تخوفت وما حذرت ، بينما تذكر رجال آخرون فصدقوها واتعظوا بها ، فجعلوها مسجدا ومصلى ، ومكسبا ومتجرا ترددوا منه فربحوا الجنة ، وسيحمدها هؤلاء يوم القيامة ، وتذمها أنت يوم الندامة . فأنت المتجرم عليها لا هي المتجرمة ، وليست عليها بل عليك الملامة إذن ، فالإسلام لا يرى العالم عبثا ، ولا وجود الإنسان فيه خطأ ، ولا عواطفه الفطرية غلطا . . . وإذن : فما ذا يعني ذم الدنيا في نهج البلاغة .
ونقول : من غرائز الإنسان الطبيعية غريزة التعبد والتقديس ، والسعي وراء السعادة والكمال ، وما يرتبط به ويعتمد عليه أكثر من ارتباط عادي يجعله منتهى مناه وكل أمله . وهنا إذا لم يهتد الإنسان إلى الصراط المستقيم في قدسه وأمله ، فسوف يضل عن الصراط السوي ويتيه في متاهات الضلالة ، سادرا في الغي يخبط في عمياء لا يهدى سبيلا ، وحينذاك تتبدل ( الوسيلة بالغاية ) و ( الطريق بالهدف ) و ( وسيلة النجاة بسلاسل الأسر والعبودية ) وحينئذ تتبدل حرية حركته ونشاطه ومساعيه إلى أسر وعبودية وجمود . وهذا هو الذي ينبغي أن لا يكون ، وهو على خلاف نظام التكامل في الحياة ، بل هو نقص ونوع من الفناء لا البقاء ، وهو آفة الإنسان في معاشه ، ويراه الإمام والإسلام خطرا ينبه للحذر منه . ولا شك أن الإسلام يعد الإنسان بإزاء هذه الحياة بحياة أخرى أفضل منها بمراتب ، ولا يرى لهذه الحياة الدنيا ما ينبغي أن تكون غاية مناه ومنتهى آماله ، بل يراها مجالا لأعمال صالحة تصبح وسيلة إلى السعادة الدائمة ، ويرى الإنسان أسمى وأعز من أن يكون عبدا لها ولمن في يده شيء منها .
ولهذا نرى الإمام ( ع ) يؤكد على حسن هذه الحياة ، ولكن ليس ذلك إلّا لمن لم يرض بها دار مقر دائم ، فيقول : « ولنعم دار لمن لم يرض بها دارا . . . »
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 176
مساهمون: هادي اليوسفي
ص١٧٦