ويكرر : « الدنيا دار مجاز لا دار قرار ، فخذوا من ممركم لمقركم » والإنسان حر طليق ، ولهذا فإن كل أسر أو قيد أو حدّ ، يحدّ من شخصيته وعظمته .
ما هي الدنيا المذمومة
قلنا في الفصل السابق : إن ما يراه الإسلام مما لا ينبغي أن يكون في علاقة الإنسان بالدنيا هو : أن يتعلق بها قلبه حتى يصبح أسيرا لها ولمن في يده شيء منها ، ولا تسري هذه النظرة السلبية إلى الدنيا من هذا الإطار إلى حياة الإنسان فيها ، حتى ولو كانت حرة كريمة هادفة واعية .
وقلنا : إن الذي يحاربه الإمام والإسلام في تعاليمه وإرشاداته حربا لا هوادة فيها هو : أن يجعل المرء هذه الحياة هدفا وغاية لا طريقا ووسيلة .
وذلك : لأنه لو أصبحت علاقة الإنسان بهذه الحياة بصورة يكون معها طفيليا على الحياة تابعا لها ولمن في يده شيء منها ، أصبحت الحياة له موتا وسموما وحطمت كل ما في نفسه من المثل الإنسانية السامية ، إذ أن قيمة كل امرى ء بهدفه في الحياة ، فلو لم يكن له أي هدف في الحياة سوى ملء بطنه وكانت مساعيه كلها في هذه الحدود ، لم يكن له قيمة سوى ما يهدف له : « من كانت همته بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه » .
إذن : فالكلام كله حول كيفية علاقة الإنسان بهذه الحياة ، كيف يجب أو كيف ينبغي أن تكون إذ هناك صورة يصبح الإنسان فيها بهدفه في « أسفل سافلين » وأخسّ موجود في الحياة : أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلاو تتحطم فيها جميع قيمه ومثله الإنسانية السامية ، ويخرج فيها بصورة حيوانية منكوسة .
وهناك صورة أخرى لهذه العلاقة على العكس من الصورة السابقة تماما ، أي بدل أن يكون الإنسان يضحي بإنسانيته في سبيل الحياة ، تنحسر هاهنا الدنيا وما فيها أمام الإنسان ، ويصبح كل ما فيها في سبيل خدمة المصالح الإنسانية ، ويكون كما في الحديث القدسي :
« . . . يا ابن آدم خلقت الأشياء لأجلك ، وخلقتك لأجلي . . .
» .