وهذه الآية الكريمة أيضا إنما تنتقد الذين يفرحون بهذه الحياة الدنيا ولا يضمرون للآخرة أي حزن أو سرور ، بل لا يعدون للآخرة أي إعداد ، إذ لا يعدونها في الحياة الدنيا إلّا قليلا ، فأما من لا يعد الحياة الدنيا في الآخرة إلّا قليلا ، ولا يعد للحياة الدنيا إلّا قليلا أيضا ، بل إنما يضمر فرحته ويعد عدته ويسعى سعيه للآخرة ، فلا بأس عليه أيضا . 5 - يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ، وهم عن الآخرة هم غافلون . وهذه الآية الكريمة أيضا إنما تنتقد الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ، ثم هم يغفلون بها عن الآخرة فلا يعلمون عنها أي شيء ، أما من يعلم الآخرة علما قطعيا ، ويعلم واقع الحياة - كما في القسم الأول من الآيات - على يقظة وشعور ، فلا بأس عليه أيضا . فأنت ترى : أن الذي حكم عليه في جميع هذه الآيات بالنفي والتفنيد وأن لا يكون ، هو : أن تصبح الدنيا أمل الإنسان الذي يرضاه ، وزاده الذي يقنع به ، وطمأنينته التي يفرح بها . وهكذا علاقة من الإنسان بالحياة هي التي تجعل الإنسان في خدمة الحياة وضحية ساقطة في ميادينها ، بدلا من أن تجعل الدنيا في خدمة الإنسان . هذه هي نظرية الإسلام المتمثل في القرآن الكريم في شأن علاقة الإنسان بالدنيا . والإمام علي ( ع ) أيضا يتبع نفس هذا الأسلوب القرآني في نهج البلاغة : فنرى أن كلماته ( ع ) بهذا الصدد تنقسم أيضا إلى نفس القسمين : 1 - قسم شرح فيه الإمام : فناء الدنيا وزوالها وتغيرها وانتقالها ، بأوصاف دقيقة وتشبيهات وكنايات واستعارات بليغة . 1 - وفي القسم الثاني : يستنتج نفس النتيجة القرآنية السالفة :
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 180
مساهمون: هادي اليوسفي
ص١٨٠
هامش
( 1 ) سورة الروم : 7 .