تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
أن يكون كاملا صحيحا ، إذ أن هذه العلاقة حلقة من سلسلة من العواطف المخلوقة معه في فطرته الطبيعية الأولى ، وهي من طينته في الصميم ، وهي مما لم يكتسبه الإنسان بنفسه ، وكما أنه ليس في بدن الإنسان عضو زائد خلق عبثا ، كذلك ليس في عواطفه وأحاسيسه شيء زائد عبث ، بل إن عواطفه كلها مخلوقة لغاية حكيمة عبّر عنها القرآن الكريم بآيات حكمة الخالق الحكيم : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة . إن هذه العواطف روابط تربط الإنسان بالحياة ، سعيا نحو التكامل ، وكما لا نستطيع أن نحكم على العالم بالطرد واللائمة ، كذلك لا نستطيع أن نعد هذه العواطف الطبيعية زائدة بدون فائدة ، فإنها من أجزاء الحياة . إذن : فليس المقصود من ذم الدنيا : ذم الحياة ، ولا ذم العلاقات الطبيعية والفطرية . بل أن المقصود من ذلك : هو ذم العلاقة القلبية الموجبة لأسر الإنسان بيد الدنيا ومن في يده شيء منها . وهذا هو الذي يسميه الإسلام : عبادة الدنيا ، وهو الذي يكافحه الإسلام مكافحة شديدة والإسلام في هذا يريد أن يرد الإنسان إلى حالته الطبيعية في ضمن ناموس الحياة ، فإن الإفراط في علاقة الإنسان بالدنيا خروج عن حالته الطبيعية .

هل الدنيا سجن المؤمن

هناك العديد من المذاهب الفلسفية تنظر إلى الحياة نظرة ملؤها الشر والغضب ، وهي تحسب أن هناك نقصا في العالم أو تناقضا ، وأن الإنسان أسمى من أن يعيش في هذا العالم ، فليست هناك أية رابطة - في نظرها - تربط الإنسان بهذه الحياة إلّا علاقة السجين بسجنه أو الواقع في البئر ، فلا نجاة له إلّا أن يتخلص من شرور هذه الحياة . . . فهل الإسلام ينظر إلى الحياة بهذه النظرة أيضا كلا . إن الإسلام - المتمثل في نهج البلاغة الإمام ( ع ) - يرى علاقة الإنسان بالدنيا : كعلاقة الزارع بزرعه : « الدنيا مزرعة الآخرة » أو علاقة التاجر