تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
فلهذا يحذر الإمام ( ع ) الناس عن عبادة الدنيا ويقول في الخطبة : 127 : « . . . وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلّا إدبارا ، ولا الشر إلا إقبالا ، ولا الشيطان في هلاك الناس إلّا طمعا ، فهذا أو ان قويت عدته ، وعمت مكيدته ، وأمكنت فريسته . اضرب بطرفك حيث شئت من الناس فهل تبصر إلّا فقيرا يكابد فقرا ، أو غنيا بدل نعمة اللّه كفرا ، أو بخيلا اتخذ البخل بحق اللّه وفرا ، أو متمردا كأن بإذنه عن سمع المواعظ وقرا . أين خياركم وصلحاؤكم وأين أحراركم وسمحاؤكم وأين المتورعون في مكاسبهم والمتنزهون في مذاهبهم » أجل إن اللّه يرزق من يشاء بغير حساب ، وقد رزق المسلمين من سيل النعم بغير حساب ، ولكن توزيعه غير العادل على أساس التمييز الطبقي هو الذي أصاب المسلمين بداء ( سكر النعم ) . وكان الإمام ( ع ) يكافح هذا الخطر العظيم الذي كان قد أصاب الإسلام وأخذ يجر ويلاته على المسلمين ، وكان يتفقد كل من كان مساهما في إيجاد هذا الداء الوبيل وكان ( ع ) يسير هو في حياته العملية الفردية الخاصة على ضد هذه السيرة غير المرضية ، وحينما بلغ إلى الخلافة جعل ذلك في رأس قائمته الإصلاحية الجادة . وكان ( ع ) يشير إلى هذه النقطة الهامة : ( سكر النعم ) ويقول : « ثم إنكم معشر العرب أغراض بلايا قد اقتربت ، فاتقوا سكرات النعمة واحذروا بوائق النقمة » . ويذكّرهم عواقب هذه السكرات ، ويرى أن لهم منها مستقبلا وخيما : « . . . ذاك حيث تسكرون من غير شراب ، بل من النعمة والنعيم . . . » . قدمنا هذا الكلام هنا لتتضح لنا الواجهة الخاصة لكلمات الإمام ( ع ) في ذم الدنيا ، وهي أنها كانت متجهة إلى ظاهرة اجتماعية خاصة في ذلك العصر العصيب . وإذا تجاوزنا هذه الواجهة الخاصة لكلماته ( ع ) نجد لها - ولا شك - واجهة عامة لا تختص بذلك العصر ، بل تشمل جميع الأعصار والقرون ، بل هي من