شرحتها في طي عدد من المقالات بهذا الصدد ، ولكني - بالسماح - من ذلك الرجل الفاضل أتصرف قليلا في تعريفه وأقول : « الزهد ، عبارة عن : الأخذ القليل للعطاء الكثير » .
وهذا يعني أن هناك علاقة في مفهوم الزهد في الإسلام بين ( الأخذ القليل ) و ( العطاء الكثير ) وأن هناك نسبة متعاكسة بين التمتع المادي ، وبين العطاء الإنساني والشخصية الإنسانية ، سواء في قسم الأخلاق والعواطف ، أو في قسم المساعدات والتعاون الاجتماعي ، أو من ناحية الشرف والكرامة الإنسانية ، أو العروج إلى العالم العلوي .
وهذا من خواص هذا الإنسان : إن إسرافه في الاستفادة من المادة ، والتمتع بالطبيعة ، والتنعم باللذات ، يعقمه ويضعفه ويقلل عطاءه ويوهنه في كل ما يسمى بالكمال للإنسان . والعكس صحيح أيضا ، فإن إبتعاده عن التنعم والتمتع - في حدود معينة - يهب لجوهره الصفاء والجلاء ، ويقوي ويزيد في فكرته وارادته ، وهما من أسمى سمات الإنسان .
والحيوان أيضا كذلك : فإنه - وإن كان باستزادته من التمتع والإستجمام يتقدم بكماله الجسماني وفوائده الجسدية المادية : من اللحم واللبن والصوف - إلّا أن ذلك لا يصح في مورد ما يمكن أن يسمى بالكمال الفني له ، فإن جواد الرهان يجب أن يكون قد ربي على هضم الكشح والطوى على الجوع والعطش ، حتى يذوب الزائد من لحمه وشحمه ، حتى يقدر على السبق في المباراة بخفته ونشاطه ، وهذا من نوع الكمال لهذا الحيوان .
والنبات أيضا كذلك ، فإن ما يمكن أن يسمى بالكمال الفني فيه - إن صح التعبير - مشروط بنوع من الأخذ القليل .
والزهد في الإنسان أيضا تمرين ، ولكنه للروح لا للجسد ، فإن الروح تجد في الزهد رياضة يذوب بها منه الإضافات المتعلقة به ، فيخف للتحليق في سماء الفضائل والكمالات .
والإمام علي ( ع ) يعبّر عن الزهد بالرياضة فيقول : « وإنما هي نفسي
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 162
مساهمون: هادي اليوسفي
ص١٦٢