تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
الرقيب . لا مانع من أن يتعبد العالم أو الفيلسوف بدراهم المادة ثم يجول بفكره في المسائل الفلسفية أو المنطقية أو الطبيعية أو الرياضية . ولكن لا مجال في فكر هذا الفيلسوف أو قلب هذا العالم للتعبد والالتزام بتضحية من تلك التضحيات الإنسانية ، أو المبدئية أو المذهبية ، بل وحتى القومية منها والوطنية . . . فضلا عن محبة الخالق في خدمة المخلوق . ولهذا نقول إن إبعاد القلب عن التقلب بالمادة العمياء ، وإخلاءه عن أصنام الذهب والفضة الغراء : شرط ضروري للتربية المعنوية في الإنسان . وقد قلنا : إنه لا ينبغي الخلط بين التحرر عن قيد الذهب والفضة وعدم الاعتناء بكل ما يتبدل بهما ، وبين الرهبنة والفرار عن المسؤولية والعهود الإنسانية . فليس في الزهد أي فرار عن المسؤولية ، بل إن المسؤولية والعهود إنما تجد حقيقتها في ظل هذا الزهد ، ولا تظل ألفاظا جوفاء وادعاءات فارغة لا ضمان لها . ولقد اجتمع الزهد والإحساس بالمسؤولية في شخصية الإمام أمير المؤمنين ( ع ) ، فقد كان أكبر زاهد في العالم ، وكان يحمل في صدره أكثر القلوب إحساسا بالمسؤولية الاجتماعية . إنه ( ع ) من ناحية كان يقول : « ما لعلي ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى » . ومن ناحية أخرى ، كان يسهر الليل كله لحيف قليل في العدالة مع مظلوم ، ولا يرضى أن ينام مبطانا ويقول : « ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع » وقد كان بين زهده ذاك وإحساسه هذا الرهيف علاقة وثيقة . إن عليا ( ع ) بما أنه كان زاهدا لا طمع له ، ومن ناحية أخرى كان قلبه مليئا من حب اللّه ، وكان يرى العالم من الذرة إلى الذرى مسؤولية مترابطة أمام الخالق العظيم ، لذلك كان يشعر بمسؤولية كهذه أمام تعدي حدود الحقوق والواجبات الاجتماعية . ولو كان شخصية ثرية متنعمة متنفذة ، لكان من المحال أن يشعر بمثل هذه المسؤولية . وقد صرحت الروايات والأحاديث الإسلامية بهذه الفلسفة للزهد ، وأكد عليها الإمام ( ع ) في نهج البلاغة .