والجواب : أما : لا ، أو : إنها - على الأكثر - ليست فضيلة هامة .
ولكنا إذا لاحظناها من الناحية المعنوية ، أي من ناحية التحرر عن علائق الحياة ، فالجواب : نعم ، إنها فضيلة كبرى ، لأنها هي الخصلة الوحيدة التي يستطيع الإنسان باحرازها أن يعيش حرا طليق المحيا والجناح ، يتحرك بحرية ونشاط ، ويكافح بخفة ومرونة .
وليس ثقل الكاهل بقيود الحياة منحصرا بالعادات الشخصية والفردية ، بل إن العادات والمراسيم العرفية كمراسيم ملابس الحفلات والآداب الاجتماعية أيضا مما يثقل كاهل الحياة ، ويبطى ء الحركة الحرة فيها .
إن مثل الحركة في الحياة كمثل السباحة في الماء ، كلما خف الكاهل سهلت السباحة ، وكلما ثقل الكاهل صعبت السباحة واحتمل خطر الغرق .
يقول الكاتب الفارسي أثير الأخسيتكي : « انزع ملابسك ثم اسبح في الحياة ، فإن العري أول شروط السباحة فيها » .
ويقول الشاعر الفارسي : فرخي اليزدي : « إن الرجل المتقي لا يشتكي الجوع والعري ، إذ السيف الصقيل أجدر به أن لا يغمد » .
ويقول الشاعر الفارسي : بابا طاهر : « إنك تمشي على الأرض ، وبإمكانك أن تمشي على السماء ، فإن أمكنك فانزع جلدك ليخف ظهرك » .
ويقص علينا الكاتب والشاعر الإيراني الكبير : سعدي الشيرازي ، في كتابه « كلستان » قصة تناسب المقام ، يقول : « رأيت ابن التاجر يباهي ابن الفقير بقبر والده فيقول : إن صندوق قبر والدي كبير ، عليه كتابة ملونة ، وأرضه مفروشة بالرخام وعليه قبة كالفيروزج ، فما ذا على قبر والدك أنت ، سوى حفنة من التراب والحجر والمدر وأصغى ابن الفقير له ثم قال : ولكن قبل أن يتحرك والدك من قبره يصل والدي إلى الجنة » .
هذه كلها أمثال لخفة الكاهل ، وأنه شرط أساس في الحركة والنشاط . وإنما انطلقت الحركات والمكافحات القوية والمستمرة على أيدي أناس غير متقيدين بالقيود المادية الثقيلة ، أو قل : زاهدين بمعنى من معاني الكلمة : زهد « غاندي »
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 155
مساهمون: هادي اليوسفي
ص١٥٥