تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
كما ذكر في قوله :
تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ
[ البقرة : 118 ] ، وقوله :
يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ
[ التوبة : 30 ] لم يرد به التشابه والمضاهاة على أن نفس القول منهم وعين الكلام كان واحدا ، بل كان سبب كفرهم مختلفا ، وقول هؤلاء خلاف قول أولئك ، وما كان من هذا الفريق خلاف ما كان من الفريق الآخر ، لكن لما كان التكذيب من هؤلاء له كالتكذيب من أولئك والرد له من هؤلاء كهو من أولئك في أن كان كفرا واحدا سواء ، فمن هذه الجهة وصف قلوبهم بالتشابه وأقوالهم بالمضاهاة ، وهذا يدل على أن الاستواء من جهة واحدة يوجب التشابه والتماثل . وقوله :
إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
، هذا يحتمل وجوها : أحدها :
إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ
بنبأ من كان [ قبلهم ] ونبأ من كان بعدهم أنهم جميعا قالوا لقومهم
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ .
والثاني :
إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ
بالوعيد والتخويف بعذاب ينزل بهم
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ
، أي : من حيث يرونه ويعلمونه
وَمِنْ خَلْفِهِمْ
، أي : من حيث لا يرونه ولا يعلمون ؛ وهو كقوله - عزّ وجل - :
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ * أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
[ الأعراف : 97 ، 98 ] ونحوه . وقيل : يبعث اللّه الرسل قبلهم وبعدهم بالذي ذكر ، وهو الدعاء إلى توحيد اللّه وجعل العبادة له ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ .
هذا القول منهم يناقض قولهم وتكذيبهم الرسل وإنكارهم رسالة البشر وطمعهم رسالة الملائكة ؛ لأنهم ما عرفوا الملائكة ولا عاينوا ، فإنما عرفوا الملائكة وعلموا بمكانهم برسل البشر ، فكيف أنكروا رسالتهم مع ما لو كان الرسل إليهم الملائكة ، لم يعرفوا أنهم ملائكة إلا بقولهم ؛ لما لم يتقدم لهم المعرفة بالملائكة ، فهذا يناقض إنكارهم الرسل من البشر ؟ ! والثاني : ما قالوا :
فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ
قد أقروا رسالتهم حيث قالوا :
فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ
؛ لأنهم لم يقولوا : إنا بما [ أرسلتم ] إلينا كافرون ، ولكن قالوا :
فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ
فذلك مما يناقض قولهم ويرد تكذيبهم ، وإنما قالوا ذلك - أعني : قولهم :
لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً
- تعنتا منهم وعنادا ، وإلا قد علموا أنهم رسل اللّه فيناقضون بما قالوا على التعنت منهم ، واللّه أعلم .