تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
والثاني : قوله :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
، أي : ثم استوى الهواء والجو الذي بين الأرض والسماء إلى السماء ما لولا ذلك الهواء لم تستو ؛ لأن السماء لو كانت ملتزقة بالأرض لا هواء بينهما لكانت لا تخرج ما جعل في الأرض من الأقوات والمعايش ، فبالهواء استوى ذلك ، واللّه أعلم . ومنهم من يصرف الاستواء إلى اللّه - عزّ وجل - ومعنى ذلك : استوى أمره وملكه بخلق السماء ، أو استوى المقصود بخلق الأرض وأهلها وما فيها بخلق السماء . وأما التأويلان اللذان ذكرناهما يتوجهان إلى غير ذلك : أحدهما : رجع إلى استواء الهواء ، والثاني : إلى استواء ما جعل في الأرض ، وعلى هذا يخرج ما سئل ابن عباس - رضي اللّه عنه - عندما روي أن رجلا سأل ابن عباس - رضي اللّه عنه - فقال : « قرأت آيتين إحداهما تخالف الأخرى ، فقال له : من قبل رأيك أتيت ، ما هما ؟ فقال ذلك السائل : قوله - تعالى - :
أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
إلى قوله :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
، وقوله تعالى :
السَّماءُ بَناها
[ النازعات : 27 ] إلى قوله :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
[ النازعات : 30 ] » ، فمراد السائل أن ظاهر الآية الأولى أنه خلق الأرض في يومين قبل خلق السماء ، وفي ظاهر الآية الثانية : أنه خلق السماء ثم خلق الأرض ، فقال ابن عباس - رضي اللّه عنه - : « خلق اللّه تعالى الأرض قبل أن يخلق السماء ، فدحى الأرض بعد ما خلق السماء ، واللّه أعلم » ، أراد به : بسط الأرض بعد خلق السماء ، فأما خلق أصل الأرض قبل خلق السماء . وعندنا أن ليس [ بين ] ظاهر هاتين الآيتين مخالفة ، ولا فيه بيان أنه خلق الأرض قبل السماء ولا هذا بعد هذا ؛ لأنه ذكر هاهنا أنه خلق الأرض في يومين ثم قال :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
ذكر الاستواء إلى السماء ليس فيه أنه خلقها بعد خلق الأرض ، بل فيه أنما استوى إليها بعد خلقها وليس فيه إثبات خلقها قبل ذلك ، واللّه أعلم . وقوله :
وَهِيَ دُخانٌ .
قال بعضهم : دل قوله :
وَهِيَ دُخانٌ
على أنه كان هناك نار حتى خلق السماء بدخانها ، لكن لا نعلم ذلك إلا بالسمع . ويحتمل أن يكون قوله :
وَهِيَ دُخانٌ
، أي : شبه الدخان ، لا حقيقة الدخان ، ومنه خلق السماء والأرض . وقوله :
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
قال بعضهم « 1 » في قوله :
ائْتِيا
: أعطيا ما جعل فيكما من المنافع والأقوات طوعا أو
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 30453 ) .