[ الأنعام : 102 ] .
ويحتمل : أي : إنا كل شيء خلقناه بقدر وحدّ ينتهي إليه ذلك ، ويبلغ حده ، ليس كالمخلوق لا يعرف أحد قدر فعله ولا حده الذي ينتهي إليه ، ولا يخرج فعل أحد من المخلوقين على ما يقدرونه ، فأخبر أن فعله يخرج على ما يقدره خلافا لفعل غيره ؛ فيدل على أنه هو الخالق ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ
، الأمر فيما بين الخلق على وجهين :
أحدهما : أمر شأن بالفعل .
والآخر : أمر تكليف لغير .
ثم قوله - عزّ وجل - :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ
، إنما هو أمر فعل ؛ يخبر عن سهولة ذلك عليه ، أي : شأنه وفعله يسير عليه ، لا يعجزه شيء ولا يشغله ؛ فعلى ذلك أمر اللّه وخفته عليه ، والواحد ليس هو اسم العدد ، وإن كان الحساب يبتدئ [ به ] ، إنما هو اسم التوحد والتفرد ؛ كما يقال : فلان واحد زمانه ، لا يريدون من جهة العدد ؛ إذ له أعداد وأمثال من جهة العدد ، ولكن إنما يراد بأنه المتوحد في شأنه وفعله ، ولا نظير له ؛ فعلى ذلك تسميته إياه : واحدا لتفرده وتوحده في ألوهيته وربوبيته ، وتسمية أمره واحدا : أن فعله وشأنه لا يشبه أفعال غيره ، وأنه لا نظير له في ذلك ، وأنه يسير عليه ، لا حاجة له إلى الوقت ، والآلة ، وغير ذلك ؛ ألا ترى أنه قال :
كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
يخبر عن خفة ذلك عليه وسهولته ، من حيث لا يثقل على أحد رد البصر ولا لمحه ، هذا وجه .
الثاني : فيه إخبار أنه لا يشغله شيء ؛ لأن الناس تشغلهم بعض أمورهم عن بعض .
وأهل التأويل يصرفون الآية إلى الساعة ؛ كقوله تعالى :
وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
[ النحل : 77 ] ، وهو محتمل ؛ فيخبر أن الآخرة ليس على تقدير أمر الدنيا على اتباع بعض بعضا ، وعلى إرداف شيء على شيء ، وعلى الانتقال والتغير من حال إلى حال ، ولكن أمر الآخرة على التكون بمرة واحدة .
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
يحتمل قوله
أَشْياعَكُمْ
على وجهين :
أحدهما : إخوانكم وأهل دينكم بتكذيبهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام - واذكروا أنتم يأهل مكة ؛ لئلا تهلكوا بتكذيبكم محمدا صلى اللّه عليه وسلم .
والثاني : أي : ولقد أهلكنا أشياعكم ، وعرفتم ذلك ،
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
يتذكر ويتعظ ، ويعتبر به .