القريات قلبت بمن فيها ظهرا لبطن على ما ذكر في آية أخرى :
فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها
[ الحجر : 74 ] - أرسل الحاصب على من غاب عنها في البلدان فأهلكهم بها ، يخرج على الإضمار ، كأنه قال : قلبناها بمن فيها ، وأرسلنا على من غاب عنها حاصبا إلا آل لوط ؛ حتى يستقيم الثنيا الذي استثنى ، ويكون كقوله :
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ
[ المائدة : 1 ] كأنه قال : أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد ، واللّه أعلم .
[ و ] على تأويل من يقول بأنها قلبت ، ثم أرسل عليها الحاصب ، فالثنيا مستقيم ؛ فيكون هلاكهم بأمرين ، واستثنى آل لوط بالنجاة منهما جميعا ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا
، أي : منعنا عنهم العذاب عند السحر ؛ فيكون فيه دلالة : أنه يكون بمنع العذاب عنهم منجيا لهم ، وإلا لم يكن بنجاتهم عند السحر [ منعما ] .
وقوله - عزّ وجل - :
كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ
هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : يكون هلاك أولئك على لوط وآله نعمة من اللّه تعالى عليهم ؛ فيكون عليه شكره ؛ فهو جزاء شكرهم ، وهو كقوله تعالى :
جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ
[ القمر : 14 ] يحتمل أن يكون هلاك أولئك وإغراقهم جزاء ما كفر بنوح ، وذلك نعمة منه على نوح ، - عليه السلام - .
والثاني : أن تكون نجاة نوح ومن كان معه نعمة منه عليهم ؛ إذ له أن يهلك الكل من كفر ومن لم يكفر ؛ ألا ترى أنه يهلك الدواب والصغار ، وإن لم يكن لهم مآثم ، فإذا كان كذلك كان إبقاء من أبقى منهم فضلا منه ونعمة عليهم ، وإلا لا كل كفر استوجب النجاة ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ
يخرج على الوجهين اللذين ذكرناهما .
أحدهما : تماروا بالواقع من النذارة .
والثاني :
بِالنُّذُرِ
، أي : الرسل ، واللّه أعلم .
وقوله :
وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ
أي : طلبوا منه التخلية بينهم وبين ضيفه .
وقوله :
فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ
، ذكر أن جبريل - عليه السلام - مسح جناحيه على أعينهم فعموا ، ثم قيل لهم :
فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ .
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ
أي : نزل بهم صباحا بالبكرة
عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ
العذاب المستقر : هو العذاب الذي نزل بهم ، ودام عليهم ؛ وأهلكهم ، وأما طمس الأعين ، فقد انقضى .