وجائز أن يكون معناه : ولقد أهلكنا جنسكم ، والحكيم لا يخلق الخلق للفناء والهلاك ، فاعلموا أنه أنشأكم للعاقبة .
وفيه إثبات البعث ، لكنه لا تدركه أفهام الكفرة وعقولهم ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ
يخرج هذا - أيضا - على وجهين :
أحدهما : كل شيء فعلوه من التكذيب والعناد ، كان في الكتب المتقدمة ، أي : عن علم بصنيعهم وفعلهم أنشأهم ، وبعث إليهم الرسل ؛ وهو رد على من يقول : إنه لا يعلم ما يكون منهم حتى يكون منهم ذلك ؛ لأنه لو كان يعلم ذلك لا يحتمل أن يبعث الرسل - عليهم الصلاة والسلام - إليهم ويأمرهم ، وينهاهم ، وهو يعلم أنهم يكذبون رسله ، ويخالفون أمره ، فرد عليهم وبين أنه لم يزل عالما بما كان ويكون ، وقد بينا قبل هذا أنه تعالى بعث الرسل - عليهم السلام - وإن علم منهم التكذيب والخلاف ؛ وذلك لأن المنافع والمضار راجعة إليهم دونه ، واللّه أعلم .
وجائز أن يكون معناه :
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ
أي : في الكتب التي تكتب عليهم الملائكة ويؤمرون بالقراءة في القيامة ؛ كقوله تعالى :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
[ الإسراء : 14 ] .
وقوله - عزّ وجل - :
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ
هذا أيضا يخرج على هذين الوجهين :
أحدهما : مستطر في الكتب التي قبلهم .
أو في الذين يملون على الحفظة ؛ كقوله تعالى :
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
[ ق : 18 ] .
وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ . يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ
، وقال في موضع آخر :
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ
[ الزخرف : 74 ] .
ثم « 1 » اختلف في تأويل قوله « 2 » :
وَنَهَرٍ
:
قيل : نهر من النور ، أي : هم في ضياء ونور وسرور ، وهو قول الأصم .
وقال الفراء : النهر : السعة ؛ يقال : أنهرت الطعنة ، أي : وسعتها .
وقال أهل التأويل : أي : الأنهار .
وقوله - عزّ وجل - :
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ
أي : موعود صدق ؛ كأنه كناية عن راحة
هامش
( 1 ) كذا في أ : وظاهر أن قبل « ثم » سقطا .
( 2 ) انظر : تفسير ابن جرير ( 11 / 571 ) .