تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
ويحتمل معكم في الوعد الذي وعد ؛ أي : ينجز ما وعد لكم في الدنيا ويفي بذلك . وقوله - عزّ وجل - :
وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ
اختلف فيه : قال بعضهم أي : لن يجعل اللّه للكافرين عليكم مظلمة ولا تبعة ، وهو يحتمل في الدنيا والآخرة ؛ كقوله - تعالى - :
وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
[ النساء : 141 ] . وقال بعضهم « 1 » :
وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ
أي : لن ينقصكم أعمالكم ، وكذا قال أبو عوسجة ؛ يقال : وتره : أي : نقصه . وقال بعضهم « 2 » : لن يظلمكم أعمالكم ؛ يقال : وترني حقي ، أي : بخسنيه ، كذلك قال القتبي ، ولكن كلاهما واحد في المعنى ، أي : لا ينقص من أعمالهم شيئا ، ولا يظلمون فيها ، ولا يبخسون ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
، أي : حياة الدنيا على ما عندهم وعلى ما يقدرون لعب ولهو ؛ لأنهم كانوا يقولون أن لا بعث ولا حياة فعلى ما عندهم تكون حياة الدنيا على ما ذكر من اللهو . ويحتمل أنه سماها : لهوا ولعبا ؛ لأنهم على ما يزعمون أنشأها للانقطاع والفناء ، لا لتكتسب بها الحياة الدائمة في الآخرة ؛ وإنشاء الشيء للانقطاع والفناء خاصة بلا عاقبة تقصد يكون لعبا ولهوا ، ثم اللعب واللهو يجوز أن يكونا شيئا واحدا ، ويجوز أن يكون أحدهما ما يستمتع بظاهر الأشياء ، والآخر ما يستمتع بباطن الأشياء : اللعب هو ما يستمتع بظواهر الأشياء ، واللهو هو ما يتلهى ببواطنها ، واللّه أعلم . وقوله - تعالى - :
وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ
أي : وإن تؤمنوا بما أمرتم الإيمان [ به ] وتتقوا عما نهيتم عن مخالفة أمره -
يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ
: جعل اللّه - عزّ وجل - بفضله ورحمته لأعمالهم التي يعملون لأنفسهم أجرا ؛ إذ لا أحد يعمل لنفسه ويأخذ الأجر من غيره ؛ لأنهم بالأعمال يسقطون عن أنفسهم التكليف بالشكر لنعم اللّه - تعالى - حيث أسدى عليهم النعم ابتداء ، لكنه جعل لأعمالهم أجرا كأنهم يعملون له ابتداء ، وإن كانوا عاملين لأنفسهم في الحقيقة ، وإليه ترجع منافع أعمالهم ، ولأن أنفسهم وأموالهم - في الحقيقة - لله - تعالى - فكيف يستحقون الأجر على مولاهم بأعمالهم ؟ وهذا كما ذكرنا من الإقراض له والاستدانة منه كأنه لا ملك له في ذلك ، وأن ليس له ذلك ، وإن كانت حقيقة أملاكهم وأنفسهم لله - تعالى - فضلا منه وكرما ، فعلى ذلك هذا ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير ( 31432 ) وعبد بن حميد عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 55 ) . ( 2 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 31431 ) وهو قول قتادة وابن زيد .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 286 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم