تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
بها في الدنيا ، واستمتعت أنفسهم وتلذذت ، وانتفعوا بها - أيضا - في الآخرة وقت حاجتهم وفقرهم بذلك تتحقق وتحصل لهم تلك الأموال ، فأما عند تركهم الإنفاق فيما أمروا بالإنفاق والبذل فلا تتحقق لهم تلك الأموال المجعولة في أيديهم ؛ لأنه إما أن تجعل لوارثهم أو يأخذها منهم بلا سبب من غير أن يجعل لهم بذلك نفع يحصل لهم ، فيكون ما ذكرنا ، فذلك تأويل قوله - تعالى - :
وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ
- واللّه أعلم - لما يهلك نفسه بترك الإنفاق منه ولم يتمتع ولم ينتفع به وقت حاجته إليه في الآخرة . وقال بعضهم : قوله :
فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ
عن الصدقة والإنفاق في طاعة اللّه ،
وَمَنْ يَبْخَلْ
بالصدقة في طاعة اللّه
فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ
بالجزاء ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ
أي :
وَاللَّهُ الْغَنِيُّ
عن إنفاقكم وعما يأمركم بالإنفاق ،
وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ
إلى ما تنفقون ؛ أي : أنتم المنتفعون بذلك الإنفاق الذي يأمركم به ، لا أنه ترجع منفعة ذلك إليه ، أو يأمر لحاجة نفسه ، ولكن إنما يأمركم بذلك لحاجتكم إليه يوما ، واللّه أعلم . ويحتمل أن يكون يقول :
وَاللَّهُ الْغَنِيُّ
عنكم وعما في أيديكم ،
وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ
إليه في كل وقت ، وكل ساعة ، في جميع أحوالكم وأوقاتكم ؛ كقوله - تعالى - :
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
[ فاطر : 15 ] . ويحتمل :
وَاللَّهُ الْغَنِيُّ
عن أموالكم ،
وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ
إلى مغفرته ورزقه وجنته ورحمته . وقوله - عزّ وجل - :
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ .
قال بعضهم : قد تولوا ، وهم أهل مكة ، واستبدل قوما غيرهم وهم أهل المدينة ، لكن هذا بعيد ؛ لأن السورة مدنية ؛ فلا يحتمل الخطاب بها لأهل مكة بقوله :
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا .
ومنهم من يقول : اللّه - عزّ وجل - أخبر ووعد أهل المدينة أنهم إن يتولوا استبدل غيرهم أطوع منهم لله - تعالى - فلا تولوا هؤلاء ولا استبدل غيرهم . وقال بعضهم : هو على وجهين : أحدهما : قوله :
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً
، أي : [ لم ] تتولوا ولم يستبدل قوما غيركم . والوجه الآخر : قد تولوا واستبدل بهم النخع ، وأحمس ، وناس من كندة ، والذين تولوا حنظلة وأسد ، وغطفان ، وبنو فلان . وقوله - عزّ وجل - :
ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ
أي : لا يكونوا أمثالكم في الطاعة لله -