تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
وقوله - عزّ وجل - :
وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ
هذا يخرج على وجهين : أحدهما : أي : ليس يسألكم الإنفاق من أموالكم ، وإنما يسألكم من ماله يستمتعوا « 1 » بمال غيره لأنفسكم وتجعلون ذخرا لأنفسكم غير
إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا
، أي : لو كان يسألكم من أموالكم لبخلتم وتركتم الإنفاق منها . والثاني :
وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ
أي : ولا يسألكم الإنفاق من جميع أموالكم ، ولكن إنما يسألكم الإنفاق من طائفة من أموالكم
إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ
أي : لو يسألكم جميع أموالكم ، لحملكم ذلك على البخل وترك الإنفاق ، فإن يسألكم الإنفاق من جزء من أموالكم فلما ذا بخلتم وتركتم الإنفاق ؟ ! وقوله :
فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا
يخرج من وجوه : أحدها : أي : يحملكم على البخل لو سألكم جميع الأموال . ويحتمل
فَيُحْفِكُمْ
أي : يجعلكم حفاة لا شيء يبقى عندكم : الإحفاء : أن يأخذ كل شيء عنده ، وهو من الاستئصال ، ومنه إحفاء الشوارب . وقال أبو عوسجة : الإحفاء : شدة المسألة ؛ أي : إن يلح عليكم فيما يوجبه في أموالكم تبخلوا ؛ يقال : أحفى في المسألة وألحف وألح واحد ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ
أي : لو أمر بالإنفاق من جميع أموالكم ومن أموالكم حقيقة يظهر ذلك من أضغانكم التي في قلوبكم ؛ لأن ذلك الأمر إنما يجري على ألسن الرسل ؛ يوجب ذلك إظهار ما في قلوبهم من الضغائن للرسل ، عليهم السلام . فإن كان التأويل هذا فهو في المنافقين ؛ فيكون الأمر بالإنفاق سبب إظهار نفاقهم وضغائنهم وعداوتهم ، فكان كالأمر بالقتال ؛ كان سببا لإظهار نفاقهم . وإن كان في المسلمين فيحتمل أنه قال ذلك ؛ تحريضا لهم على الإنفاق والتصدق ، أي : إنه سبب إخراج الضغائن والعداوة ؛ لما فيه من التحبب والتودد بإيصال ما هو محبوب إليه ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي : ها أنتم يا هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل اللّه ، أي : في إظهار دين اللّه ، أو في طاعة اللّه ، أو في الجهاد ؛ لأن الإنفاق في ذلك كله في سبيل اللّه ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ
جعل اللّه - عزّ وجل - : الإنفاق لهم حقيقة إذا أنفقوا فيما أمرهم اللّه - تعالى - بالإنفاق في طاعته عند ذلك تصير تلك الأموال لهم ؛ لأنهم إذا أنفقوا فيما أمر اللّه - تعالى - انتفعوا
هامش
( 1 ) كذا في أ .