وقوله - عزّ وجل - :
لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً
يحتمل : لن يضروا اللّه بكفرانهم نعمه أو كفرهم بوحدانية اللّه - تعالى - ومعناه - واللّه أعلم - : أنه ليس يأمر بما يأمر أو ينهى عما ينهى لدفع مضرة عن نفسه ، أو لجر منفعة إلى نفسه ، ولكن يأمر وينهى لحاجة أنفس أولئك ولمنافعهم ، فهم بتركهم اتباع أمره والانتهاء عن نهيه ، ضروا أنفسهم ، واللّه أعلم .
وجائز أن يكون المراد من قوله
لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً
أي : لن يضروا أولياء اللّه بما كفروا وصدوهم عن سبيله ؛ بل ضروا أنفسهم ؛ كقوله - تعالى - :
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
[ محمد : 7 ] أي : إن تنصروا أولياء اللّه ينصركم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ .
يحتمل حبط الأعمال بالارتداد بعد الإيمان ، وإحداث الكفر بعد الإسلام .
ويحتمل أعمالهم التي كانت لهم بالإيمان قبل بعثه عليه السلام .
قوله تعالى :
[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 33 إلى 38 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ( 33 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ( 34 ) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ( 35 ) إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ ( 36 ) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ ( 37 )
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ( 38 )
وقوله - عزّ وجل - :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ .
قال بعضهم : أي : أطيعوا اللّه في الجهاد ، ولا تبطلوا حسناتكم بالرياء والسمعة .
وفي حرف ابن مسعود - رضي اللّه عنه - : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وأطيعوا الرسول
ويحتمل : ولا تبطلوا أعمالكم بالارتداد والكفر بعد الإيمان .
ويحتمل : أي : لا تبطلوا أعمالكم بالمن على اللّه ، أو على الرسول في الإسلام ؛ أي :
تسلمون ممتنون على اللّه أو على رسوله ؛ كقوله - تعالى - :
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ . . .
الآية [ الحجرات : 17 ] .
وقال قتادة : ولا تبطلوا أعمالكم بالرياء ، وقال : فمن استطاع منكم ألا يبطل عملا صالحا بعمل شر فليفعل ؛ إن الشر ينسخ الخير ، وإنما ملاك العمل بخواتيمه ، فمن استطاع أن يختم بخير فليفعل ، ولا قوة إلا بالله « 1 » .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 31423 ) وعبد بن حميد ، كما في الدر المنثور ( 6 / 54 ) .