فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ
[ الأنفال : 12 ] ، جائز أن يكون قوله - تعالى - :
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ
في القتال والحرب ، وكذلك قوله - تعالى :
وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ
[ الأنفال : 12 ] في الحرب والقتال - أيضا - يضربون ويقتلون على ما يظفرون ويقدرون بهم من المفاصل ، ولكن إبانة من المفصل - واللّه أعلم - لما روي في الخبر : « إذا قتلتم فأحسنوا القتل » وحسن القتل هو أن يضرب ويبان من المفصل ، واللّه أعلم .
فعلى هذا جائز أن يخرج تأويل قوله تعالى :
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ
[ الأنفال : 12 ] وتأويل قوله :
فَضَرْبَ الرِّقابِ .
وجائز أن يكون لا على التقديم والتأخير والإضمار ، ولكن كل آية على نظم ما ذكر ، واللّه أعلم .
ثم إن كان على ما ذكرنا من التقديم والتأخير والإضمار فيكون كأنه قال - تعالى - : فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا الرقاب حتى [ إذا ] أثخنتموهم وأسرتموهم ، فاضربوا فوق الأعناق ؛ لأن الإمام بالخيار عندنا إذا أخذهم وظفر بهم إن شاء قتلهم ، وإن شاء من عليهم وتركهم بالجزية ، لقوله :
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ
[ التوبة : 29 ] ويكون قوله :
فَشُدُّوا الْوَثاقَ
على هذا في المن يستوثقهم بالمواثيق ، وإن شاء فاداهم ، لكنهم اختلفوا في المفاداة :
قال بعضهم : يفدون بالأموال وأسراء المسلمين منهم .
وقال بعضهم : يفادون بالأسراء منهم ، ولكن لا يجوز أن يفادوا بالأموال ، وهو قولنا .
وقال بعضهم : لا يفادون بأسراء المسلمين ولا بالأموال ؛ وهو قول أبي حنيفة ، رحمه اللّه .
واختلفوا في قتل الأسراء منهم :
قال بعضهم : لا يقتلون ، ولكن يمن عليهم أو يفادون .
وقال بعضهم : الإمام بالخيار : إن شاء قتلهم ، وإن شاء منّ عليهم ، وإن شاء فاداهم بالأسارى من المسلمين ؛ أما القتل فلما ذكرنا من الاستدلال بقوله :
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ
[ الأنفال : 12 ] ، ولما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه استشار أبا بكر ، وعمر ، وسائر الصحابة - رضي اللّه عنهم - في أسارى بدر ، فأشاروا إلى المنّ عليهم والترك ، وأشار عمر إلى القتل فيهم ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند ذلك : « لو جاءت من السماء نار ما