تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وقوله - عزّ وجل - :
ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ
قوله :
ذلِكَ
أي : ذلك الذي أمرتهم به من أول ما ذكر من قوله - تعالى - :
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ . . .
إلى قوله :
حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها
واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ
لأوليائه من أعدائه بلا قتال ، ولا نصب الحروب فيما بينهم ، ثم انتصاره منهم يكون مرة بأن يهلكهم إهلاكا ، ويقهرهم قهرا ، ومرة ينتصر منهم بأن يسلط عليهم أضعف خلقه وأخسهم ، فيقهرهم بأضعف خلقه . وقوله - عزّ وجل - :
وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ
أي : يمتحن بعضكم بقتال بعض ، وبأنواع المحن : أنشأ اللّه - عزّ وجل - هذا البشر في ظاهر الأحوال بعضهم مشابها لبعض غير مخالف بعضهم بعضا فإنما يظهر الاختلاف بالامتحان بأنواع المحن على اختلاف الأحوال ، فعند ذلك يظهر المصدق من المكذب ، والمحق من المبطل ، والموافق من المخالف ، والمتحقق من المضطرب ، والموقن من الشاك ؛ على ما ذكر - تعالى - :
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ
[ الأعراف : 168 ] ،
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[ الأنبياء : 35 ] ،
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ الملك : 2 ] ، وغير ذلك من الآيات التي ذكر الاختلاف والامتحان فيها باختلاف الأحوال التي عند ذلك يظهر ما ذكر من التصديق والتكذيب [ و ] التحقيق وغيره . ثم لو كان - جل وعلا - انتصر لأوليائه من أعدائه بما ذكرنا بأن ينصرهم على أعدائهم نصرا بلا امتحان وكلفة منه لأوليائه - لكان التوحيد له والتصديق لرسله بحق الاضطرار ، لا بحق الاختيار ؛ لأنهم إذا رأوا أنهم يستأصلون ويهلكون إهلاكا بخلافهم إياهم لكانوا لا يخالفونهم ؛ بل يوافقونهم مخافة الهلاك والاستئصال ، فيرتفع الابتلاء والامتحان عنهم ، فلا يظهر المختار من غيره ؛ لذلك كان ما ذكرنا ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ . سَيَهْدِيهِمْ
هذا يخرج على وجهين : أحدهما : يقول :
وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فهزموا وغلبوا وهربوا في وقت أو في قتال ،
فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ
التي كانت منهم من الجهاد مع الأعداء وغير ذلك من الأعمال التي كانت لهم ،
سَيَهْدِيهِمْ
، أي : يوفقهم ثانيا - مرة أخرى - للقتال والنصر لهم على أعدائهم في الدنيا ، ويدخلهم في الآخرة الجنة . والثاني : أي :
وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ
في الآخرة ،
سَيَهْدِيهِمْ
في الآخرة الجنة .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 266 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم