تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
يقصد في بنائه إلا النقض في الشاهد والإفناء في العاقبة ، كان في بنائه وقصده سفيها ، غير حكيم ، فعلى ذلك اللّه - سبحانه وتعالى - في خلقه إياهم ، وإنشائه لهم ، وتحويله إياهم من حال إلى حال أخرى : من حال النطفة إلى حال العلقة إلى حال المضغة إلى حال تصوير الإنسان ، ثم إلى حال الكبر ، لو لم يكن ما ذكرنا من المقصود سوى الإفناء والإهلاك على ما زعموا - كان سفها باطلا ، غير حكمة ؛ لما ذكرنا : من قصد في البناء الإفناء خاصة لا غير ، كان في فعله وقصده لاعبا عابثا سفيها ؛ ولذلك سفه اللّه تلك المرأة التي لم يكن قصدها في غزلها إلا نقضه في العاقبة ؛ حيث قال :
وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً . . .
الآية [ النحل : 92 ] ، فعلى ذلك خلق اللّه إذا لم يكن بعث ولا نشور - على ما قال أولئك الكفرة وظنوا - كان كذلك سفها غير حكمة ؛ ولذلك قال :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
[ المؤمنون : 115 ] جعل خلقه إياهم [ لا ] للرجوع إليه عبثا ، واللّه الموفق . وقوله - عزّ وجل - :
ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
قال بعضهم : إلا لإقامة الحق . وقال بعضهم : إلا لأمر كائن مراد . وأصل الحق : هو أن يحمد عليه فاعله في العاقبة ، والباطل هو ما يذم عليه فاعله ، وإنما خلق - جل وعلا - ما ذكر ؛ ليحمد على فعله ، لا ليذم ، ولو لم يكن القصد في خلقهم إلا الإفناء والإهلاك لكان لا يحمد عليه ، ولكن يذم ، على ما ذكرنا . وقوله - عزّ وجل - :
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
أنهما لم يخلقا باطلا وعبثا ، وهو ما ظنوه ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ
سمى يوم القيامة مرة : يوم الجمع ، ومرة يوم التفريق ، ومرة يوم الفصل ، فهو يوم الجمع ؛ لما يجمع فيه الخلائق جميعا ، وكذلك يوم الحشر . ويوم الفصل يحتمل وجهين : أحدهما : أنه يفصل بين أوليائه وأعدائه ، ينزل أولياءه في دار الكرامة والمنزلة وهي الجنة ، وأعداءه في دار الهوان والعقاب ، وهو ما قال :
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ
[ الشورى : 7 ] . ويحتمل أن يكون قوله :
يَوْمَ الْفَصْلِ
أي : يوم القضاء والحكم ، أي : يقضي ويحكم بين المؤمنين والكافرين فيما تنازعوا واختلفوا في الدنيا بقوله :
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
[ يونس : 93 ] .