تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ . إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ
يقول اللّه تعالى - وهو أعلم - : إن الذي يحمل هؤلاء على الإنكار والكفر بك وترك الإيمان بك - إنكارهم البعث والإحياء بعد الموت ؛ كقوله - تعالى - :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ
[ الأنعام : 92 ] ممن آمن بالآخرة فأما من لم يؤمن بالآخرة لا يؤمن به ، واللّه أعلم . وأصله أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث لدعاء الخلق إلى الزهد في هذه الدنيا ، والرغبة في الآخرة ، والقطع عن جميع شهواتهم ومناهم في الدنيا ، وتأخير ذلك إلى الآخرة ، فمن آمن بالآخرة سهل عليه ترك ذلك كله ، وهان عليه قطع نفسه عن قضاء ذلك كله ، ومن أنكر الآخرة وجحدها اشتد ذلك عليه وصعب ، [ و ] حمله ذلك على إنكارها والجحود لها ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
هذا منهم احتجاج عليه ، يقولون : لو كنت صادقا فيما تقول : إنه بعث وإحياء ، فأحي من ذكروا وأت بهم ، لكن هذا احتجاج باطل ؛ لأن الآيات والحجج ليست تنزل وتأتي على ما تشتهي أنفس أولئك ، ولكن تنزل على ما توجبه الحكمة ، وعلى ما فيه الحجة ، لا على ما يريد المقام عليهم الحجة ، كما في الشاهد أن الواجب على المدعي إقامة ما هو حجة في ذاتها ، لا إقامة ما يريدها المدعى عليه ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم قد أتاهم من البيان والحجة ما يوجب البعث والإحياء بعد الموت لو تأملوا ولم يكابروا عقولهم ، وكون سؤالهم منه آية أخرى مردود عليهم ، واللّه أعلم . وبعد : فإن اللّه - تعالى عزّ وجل - قد وعد البقاء لهذه الأمة إلى يوم القيامة ، ولو أعطاهم ما سألوا من الآيات ثم أنكروها أهلكوا واستؤصلوا ؛ إذ من سنته أن كل آية أتت ونزلت على إثر سؤال كان منهم ، ثم أنكروا - كان في ذلك هلاك وعذاب ؛ لذلك لم يعطهم ما سألوا ، واللّه أعلم .