تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
وقوله - عزّ وجل - :
أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ
ليس في هذا جواب لقولهم :
فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
، ولم يأت بجواب ذلك ، وإنما كان ؛ لأنهم لم يستحقوا الجواب لهذا السؤال ؛ لأنهم سألوا ذلك تعنتا وعنادا . ويحتمل أن يكون في هذا جواب لقولهم وسؤالهم الآية المخترعة ، وفي الآية دلالة على البعث أيضا : بيان الأول : أنه أخبر عن قوم تبع ومن ذكر من الأمم الخالية ، كانوا ينكرون رسالة رسلهم ، ويكذبونهم ، ويوعدونهم الرسل بالعذاب والهلاك ، فيكذبونهم - أيضا - فيما يوعدون من البعث ، فجاءهم الهلاك ، فيقول :
أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ
ومن ذكر ، أي : أولئك هم أشد قوة أم هؤلاء ؟ وهم علموا أن أولئك أشد قوة وبطشا ، ثم لم يتهيأ لهم الامتناع من عذاب اللّه الذي نزل بهم بتكذيبهم الرسل وإنكارهم البعث ، فأنتم دون أولئك ، فكيف يتهيأ لكم الامتناع من العذاب إذا نزل بكم ؟ ! وهو كقوله - تعالى - :
أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ
[ القمر : 43 ] وإذا لم يتهيأ لهم الدفع ومن سنته الاستئصال بالتكذيب للآيات المخترعة ، وقد وعد البقاء لهذه الأمة إلى يوم القيامة وكونه رحمة للخلق ؛ لذلك لم يعطهم الآية التي سألوا ، واللّه أعلم . وأما الثاني : وهو أنه لما أخبر : أن تعذيب أولئك الكفرة ؛ لتكذيب الرسل وإنكار البعث ؛ فدل أن البعث حق حتى يستحق منكره العذاب ، واللّه أعلم . وذكر أن تبعا كان رجلا صالحا ، وعائشة - رضي اللّه عنها - تقول : « لا تسبوا تبعا ؛ فإنه كان رجلا صالحا » « 1 » . وذكر أنه كان رسولا ، وقد ذكرنا نعته ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
، وقال في آية أخرى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ ص : 27 ] : إن الكفرة كانوا لا يطلقون القول ، فلا يقولون : إن اللّه - تعالى - خلقهما وخلق ما بينهما باطلا ولعبا ، لكن خلق ذلك كله على فتياهم وظنهم ، وعلى ما عندهم يصير عبثا باطلا ؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث ، ويقولون : أن لا بعث ، ولا حساب ، ولا ثواب ، ولا عقاب ، فإذا كان فتياهم وظنهم أن لا بعث ولا نشور ، يكون خلقهم وخلق السماء والأرض وما ذكر - باطلا ولعبا ؛ لأن المقصود بخلق ما ذكر - على زعمهم - لم يكن إلّا الإفناء والإهلاك ، ومن لم
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 31143 ) ، ( 31144 ) وعبد بن حميد ، كما في الدر المنثور ( 5 / 750 ) .