تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
ويحتمل - أيضا - ما ذكرنا من الفصل بين الأولياء والأعداء ما لو لم يكن ذلك في الآخرة بينهم كان جامعا مسويا بين الأولياء والأعداء ، وهم استووا واجتمعوا في الدنيا في ظاهر أحوالهم ، ومن سوى بين وليه وعدوه ، كان سفيها غير حكيم - دل أن هنالك دارا أخرى يفصل بينهما ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
هذا في الكفار خاصة يخبر أنه لا ولي ينفعهم في الآخرة ، ولا يعين بعضهم بعضا على ما يعان في الدنيا إذا نزل ببعض منهم بلاء وشدة ، وهو ما ذكر في آية أخرى :
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . . .
الآية [ عبس : 34 ] ، وقوله - عزّ وجل - :
وَاخْشَوْا يَوْماً . . . .
الآية [ لقمان : 33 ] ، وقوله - عزّ وجل - :
وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
[ البقرة : 123 ] ، واللّه الموفق . ثم قوله - تعالى - :
لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً
يحتمل مولى الأعلى ومولى الأسفل ، على ما يعين بعضهم بعضا في الدنيا . ويحتمل كل ولي وقريب ؛ يخبر أنه لا قريب يملك دفع ما نزل به ، ولا ولي ، ولا يملك نصره ولا معونته ؛ لأن ولايتهم يومئذ تصير عداوة بقوله - عزّ وجل - :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ . . .
الآية [ الزخرف : 67 ] ، استثنى المتقين ، وعلى ذلك استثنى في هذه الآية أيضا حيث قال :
إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ
ومن عليه ، وهداه الإيمان ، ورزقه التوحيد فإنه يكون بعضهم لبعض شفعاء وأولياء ينصر بعضهم بعضا ، ويشفع بعضهم لبعض ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
:
الْعَزِيزُ
في نقمته من أعدائه لأوليائه
الرَّحِيمُ
للمؤمنين الذين استثنى في الآية ؛ حيث قال :
إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ .
وقوله :
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ . طَعامُ الْأَثِيمِ
ظاهر الآية أنها طعام كل أثيم ، لكنها ليست بطعام كل أثيم ؛ بل هي طعام أثيم دون أثيم ، وهو الكافر ؛ لأن الإثم المطلق هو الإثم من كل وجه ، وهو الكافر ، فأما المؤمن المسلم لا يكون أثيما مطلقا مع قيام إيمانه وكثير طاعته ؛ فلا يكون صاحب الكبيرة داخلا تحت الآية . قال بعض أهل [ التأويل ] « 1 » : إنه [ لما ] نزل قوله - تعالى - :
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ . طَعامُ الْأَثِيمِ
أتى بعض الكفار بالعسل والزبد ، وقالوا لأصحابهم : تعالوا نتزقم فإن
هامش
( 1 ) قاله أبو مالك ، أخرجه سعيد بن منصور عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 752 ) .