تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
ونزلوا أوطانهم ومنازلهم وبساتينهم . وقوله :
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ
قال بعضهم : أي : فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض ؛ بل سروا بذلك واستبشروا بهلاكهم ؛ فيكون ذكر نفي البكاء لإثبات ضده وهو السرور والفرح ، لا لعينه ، وذلك جائز في اللغة أن يذكر نفي الشيء ويراد به إثبات ضده ، لا عين النفي ، كقوله - تعالى - :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
[ البقرة : 16 ] ليس المراد إثبات نفي الربح ؛ أي : لم يربح فحسب ؛ بل المراد إثبات الخسران والوضيعة ، أي : خسرت ووضعت ؛ فعلى ذلك قوله - تعالى - :
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ
أي : ضحكت وسرت واستبشرت بهلاكهم ؛ لأنهم جميعا أبغضوهم وعادوهم لا دعائهم ما ادعوا من الألوهية لفرعون . وقال بعضهم :
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ
يحتمل أن المراد به ما روي في الخبر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما من مؤمن إلا وله باب في السماء يصعد إليه عمله الصالح ، وفي الأرض مصلى يصلى فيه ، فإذا مات بكى ذلك عليه كذا كذا يوما » « 1 » و [ هم ] ليس لهم ذلك فلا يبكى عليهم . وجائز أن يكون - أيضا - قوله - تعالى - :
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ
أي : لم يبق لهم أحد يبكي عليهم من الأولاد وغيرهم ؛ لأنهم استؤصلوا جميعا من الأولاد وغيرهم ، فلم يبك عليهم أحد ، فأمّا سائر الموتى قد يبقى لهم من يبكي عليهم ؛ لذلك كان ما ذكر ، واللّه أعلم . ويحتمل أن يذكر بكاء السماء إذا عظم الأمر على التمثيل ، من نحو موت الملوك والقادة ومن عظم قدره عندهم ، فيخبر اللّه - عزّ وجل - أن موت فرعون وأتباعه لم يعظم على أهل السماء والأرض ؛ لما [ لا ] قدر لهم عندهم ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ .
قال بعضهم :
نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ
الذي نزل بفرعون وقومه ، وهو الغرق في البحر ، أغرق أولئك ونجى هؤلاء . ويحتمل أن يكون المراد : أنه نجاهم من العذاب الذي كانوا يعذبون ؛ من نحو القتل والاستخدام والاستعباد وأنواع العذاب الذي كانوا يعذبون هم ما داموا بين أظهرهم وفي
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي وابن أبي الدنيا في ذكر الموت ، وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية ، والخطيب عن أنس كما في الدر المنثور ( 5 / 747 ) . وروي عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم من قولهم .