تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
الحلي واللباس فخرجوا بها ، فجائز أن يكون اتباعهم إياهم ليقاتلوهم كما يقاتل الأعداء . وقوله :
وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً
يحتمل قوله :
وَاتْرُكِ الْبَحْرَ
كأن موسى - عليه السلام - كان يضرب البحر بعصا ، ليصل الماء بعضه ببعض ؛ لئلا يعبر فرعون وقومه ، فقال له : اتركه كما هو
إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ .
ثم اختلف في قوله :
رَهْواً
: قال بعضهم : هي فارسية عربت ؛ أي : اترك البحر « راه » . وقال بعض أهل اللسان « 1 » :
رَهْواً
أي : ساكنا . وقال بعضهم :
رَهْواً
أي : متصلا ؛ وهو قول أبي عوسجة . وقال أهل التأويل « 2 » :
رَهْواً
أي : يابسا ، وهو كقوله :
فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً
[ طه : 77 ] . وقوله - تعالى - :
إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ
قد وعدهم - جل وعلا - أن يغرق فرعون وقومه ففعل . وقوله :
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ * كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ
أي : ناعمين . وقيل : معجزين . من الناس من قال : إن هذه الآية مخالفة للآية الأخرى في ظاهر المخرج ، وهو قوله - عزّ وجل - :
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ . . .
الآية [ يونس : 88 ] ثم قال اللّه - تعالى -
قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما
[ يونس : 89 ] فإذا كانت قد أجيبت دعوتهما في طمس أموالهم فطمست لا محالة فكيف ذكر
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . . .
الآية ، وما معنى قوله :
كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ .
لكن عندنا أنه لا مخالفة بين الآيتين ؛ إذ جائز أن يكون طمس أموالهم التي كانت لهم من الحلي وغير ذلك من الصامت ونحوه خاصة ، فأما الأموال التي كانت لهم بالشركة من نحو البستان والزروع وأمثالها فتلك لم يطمسها ، ولكنه تركها على ما هي عليه لبني إسرائيل ، وهو قوله - عزّ وجل - :
كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ
أي : مثل ذلك أورثناها قوما آخرين ، وهو كما ذكر في آية أخرى حيث قال :
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا
[ الأعراف : 137 ] فيه أن بني إسرائيل قد عادوا إلى مصر ،
هامش
( 1 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن الأنباري عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 746 ) . ( 2 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير ( 31113 ) وعبد الرزاق وعبد بن حميد عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 746 ) وهو قول مجاهد وعكرمة .