من موسى - عليه السلام - على ابتداء بلا سبب كان من فرعون ، ولا أمر سبق ، فكأن سببه ونازلته - واللّه أعلم - هو ما ذكر في سورة أخرى ؛ حيث قال :
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ
الآية [ غافر : 26 ] ، لما قال فرعون ذلك وهم أن يقتل موسى قال له موسى عند ذلك :
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ
وفي ذلك دلالة آية من آيات اللّه لرسالته ؛ لأنه قال فرعون :
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ
[ غافر : 26 ] ليمنعني عن قتله ، فقال :
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ . . .
الآية دل هذا القول على أنه علم قول فرعون ، وقصده بقتله ، وتعبيره بالدعاء إلى اللّه - تعالى - ليمنعه عن ذلك ، وعلم أن اللّه - تعالى - يعصمه عن شره وكيده حتى قال ذلك .
وقوله :
وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ
يقول : فإن لم تصدقوني فيما أدعوكم إليك وآمركم به فاتركوني فأصدق وأو من به ، ولا يضركم تصديقي وإيماني .
وقال بعضهم : أي : دعوني خفافا جانبا ، لا على ولا لي .
وقال بعضهم : وإن لم يؤمنوا لي فاعتزلون ولا تقتلون .
وقوله :
فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ
، وهو كقوله حيث قال :
وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ
[ الزخرف : 88 ] وكقول نوح - عليه السلام - :
إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً
[ نوح : 5 ، 6 ] ، ونحو ذلك يقولون : يا ربنا إنا قد عاملناهم المعاملة التي أمرتنا أن نعاملهم ، واحتلنا الحيل التي علمتنا أن نحتال معهم ، فلم ينجع ذلك فيهم ولا تبعونا ، ولا أجابونا إلى ذلك ، فهل من حيلة سوى ذلك أو معاملة غير ذلك نعاملهم بها ، لعلهم يتبعوننا [ و ] يجيبوننا ، هذا الدعاء وهذا القول منهم يكون بعد ما أجهدوا أنفسهم في دعائهم إلى الحق زمانا طويلا ليس يحتمل في ابتداء الأمر .
وقوله :
فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ
كان في إخراج موسى - عليه السلام - وبني إسرائيل من بين أظهر أعدائهم ليلا من غير أن شعر علم أحد من أعدائهم بذلك ، وهم العدد الذي ذكر في القصة أنهم زهاء ستمائة ألف - آية عظيمة عجيبة لموسى - عليه السلام - على رسالته ؛ إذ خروج عدد ستين من بين أظهرهم عسير صعب ، فكيف خروج العدد الذي ذكر في القصة ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ
هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : أي : قوم فرعون يتبعونهم ؛ ليردوهم إلى الأمر الذي كانوا يستعملونهم من قبل ، من نحو الاستخدام والاستعباد ، واللّه أعلم .
والثاني : أن يتبعوهم للعناد والحرب ؛ لأنه ذكر في القصة أنهم أخذوا أموالهم من