تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
جعل في الماء من المعنى واللطف ما يوافق جميع النبات والثمار على اختلاف النبات والثمار واختلاف أجناسها وجواهرها ؛ ليعلم أن من قدر على إحياء الأرض بذلك المعنى الذي جعل في الماء موافقته جميع النبات والثمار على اختلاف جواهرها وأجناسها - لا يحتمل أن يعجزه شيء من بعث أو غيره ؛ إذ الأعجوبة فيما ذكر من إحياء الأرض بذلك الماء ، وموافقة المعنى المجعول في الماء جميع ما ذكر - أعظم وأكثر من البعث ؛ لأنه إعادة ، وذلك ابتداء ، فمن ملك وقدر على ما ذكر من الأشياء فهو على البعث أقدر وأملك ؛ ولذلك قال اللّه تعالى :
كَذلِكَ تُخْرَجُونَ
أي : تبعثون ، واللّه الموفق . وقوله :
وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها
جائز أن يدخل فيما ذكر من خلق الأزواج كلها جميع ما يكون لها أزواج من مقابلات وأشكال ؛ إذ التزاوج قد يقع ويستعمل في الأضداد والأشكال من الأفعال والجواهر من الكفر والإيمان ، والطاعة والمعصية ؛ فيكون في ذلك دلالة خلق أفعال العباد إذ أخبر أنه خلق الأزواج كلها ، وبين هذه الأفعال ازدواج وإن كانت متضادة متقابلة ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ
فيه ما ذكرنا من الوجوه : أنه فرق حوائج الخلق في أمكنة بعيدة ، وبينهم وبين أمكنة حوائجهم مفاوز وفيافي وبحار ، فجعل لهم في المفاوز أنعاما يركبونها ؛ ليصلوا إلى حوائجهم ، وفي البحار سفنا ليركبوها ؛ ليصلوا إلى حوائجهم التي في البحار ؛ يذكرهم نعمه ؛ ليتأدى بذلك شكرها ، ويذكرهم قدرته أن من ملك هذا وقدر لا يعجزه شيء . وقوله - عزّ وجل - :
لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ
جعل ظهوره بحيث يستوون عليها ويقرون ، وكان له أن يجعل ظهورها بحيث لا يستوون عليها ولا يقرون ، وهذا من نعمة اللّه تعالى عليهم . وقوله - عزّ وجل - :
ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ
ثم نعمته تخرج على وجوه : ما ذلل لهم من الأنعام وسخرها لهم بقوتها وشدتها . أو جعل لهم أن يستعملوا الدواب وهي تتألم وتتلذذ كما تتألمون وتتلذذون ، ثم جعلها متعة لهم ، لا أن جعلوا لها . أو أن تكون نعمته التي أمرهم أن يذكروها : الإسلام والتوحيد ، قولوا : الحمد لله الذي هدانا للإسلام ، وتقولوا :
سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ .
أو يأمرهم أن يذكروا ما أنشأ لهم من النعم العظيمة .