فلا يعذب هذه الأمة بمثل عذابهم ؛ لفضل نبينا محمد - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - وبركته ورحمته وهو ما قال اللّه - عزّ وجل - :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] بفضله ورحمته أبقى هذه الأمة إلى يوم القيامة ، واللّه أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 9 إلى 14 ]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 9 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 10 ) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ ( 11 ) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ ( 12 ) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ( 13 )
وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ( 14 )
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ .
في قولهم وجوابهم : أن اللّه خلق السماوات والأرض - دلالة أنهم قد عرفوا أنه رسول ، لكن كذبوه عنادا ومكابرة ؛ لأن أهل مكة كانوا لا يؤمنون بالرسل حتى يزعموا أنا عرفنا أن اللّه خلق السماوات والأرض بقولهم ، وينكرون رسالته خاصة ؛ بل ينكرون الرسل أجمع ، ثم هم ما عرفوا أن اللّه هو خلق السماوات والأرض إلا بالرسل ؛ إذ هم ليسوا من الذين عادتهم الاستدلال والنظر في الدلائل ؛ ليعرفوا اللّه - تعالى - بالدلائل العقلية ، والظاهر في العوام جملة المعرفة بالدلائل السمعية ؛ فكان الظاهر هذا : أن معرفتهم : أن اللّه خلق السماوات والأرض بقول الرسل - عليهم السّلام - لكنهم كذبوه ولم يصدقوه عنادا منهم ومكابرة ، وما به عرفوا سائر الرسل من المعجزات موجود معاين في حق رسولنا صلّى اللّه عليه وسلّم لا بد أن يعرفوه رسولا ، لكنهم كذبوه عنادا ؛ فدل أن قولهم هذا دليل على معرفتهم برسالته ، واللّه أعلم .
ثم تمام الاحتجاج بهذا أن يقال لهم : قد عرفتم أن اللّه هو خلق السماوات والأرض ، فهلا عرفتم أنه لم يجعلهما عبثا باطلا ؛ إذ لو كان على ما يزعمون أن لا رسل ولا بعث ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب يكون خلقه إياهما عبثا باطلا ، فكان إقرارهم بخلقه إياهما إقرارا لخلقه على وجه الحكمة ، ولن يخرج خلقه على الحكمة إلا بالإقرار بالرسل والبعث والثواب والعقاب ؛ على ما عرف غير مرة .
أو أن يقال : فإذا عرفتم أن اللّه - تعالى - هو خلق السماوات والأرض وما ذكر إلى آخره . . . فكيف أنكرتم قدرته على البعث والإعادة بعد الموت ، والأعجوبة في خلق السماوات والأرض أعظم وأكثر من الأعجوبة في بعثكم وإعادتكم ، فكيف أنكرتم ما هو