تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
قال عامة أهل التأويل « 1 » : أي : الكفرة جعلوا لله - تعالى - من عباده أنثى ، أي : بنتا . وقال الزجاج : ( جزءا ) أي : بنتا ، وقال : إن الجزء عند بعض العرب البنت ؛ لأن الكفرة قد اختلف أنواع كفرهم ، وهم مختلفون في كفرهم ؛ يقول الثنوية بالاثنين ، يقولون : إن اللّه - تعالى - هو خالق الخيرات ، وخالق الشرور غيره ؛ على حسب ما اختلفوا في ذلك الغير ما هو ؟ فهؤلاء الثنوية جعلوا لله - تعالى - من عباده جزءا وهو الخيرات ، ولم يجعلوا له الجزء الآخر ، ومشركوا العرب جعلوا له فيما رزقهم جزءا لله - تعالى - وجزءا لشركائهم ؛ حيث قال :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا
[ الأنعام : 136 ] ، فهؤلاء جعلوا له جزءا مما رزقهم ، وهو الظاهر ، وفريق آخر جعلوا له جزءا من عباده وهو الإناث ، ولم يجعلوا لله البنين ، كقوله - تعالى - :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ
[ النحل : 57 ] فجعل الجزء له على ما ذكر أظهر مما ذكره أهل التأويل وصرفوه إليه ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ
أي : كفور لنعمه
مُبِينٌ
أي : يبين كفرانه . وقوله - عزّ وجل - :
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ
هو على الإضمار ؛ كأنه يقول : أم يقولون : اتخذ مما يخلق بنات لنفسه وأصفاكم بالبنين ، وهو ما ذكر في آية أخرى :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ
[ النحل : 62 ] . ثم قوله - تعالى - :
أَمِ اتَّخَذَ
أي : قالوا : بل اتخذ مما يخلق بنات . يذكر في هذه الآيات سفه أهل مكة وشدة تعنتهم ؛ لأنهم قوم لا يؤمنون بالرسل ، وما ذكروا من اتخاذ الولد ، وما ادعوا بأن الملائكة بنات اللّه ، وما أقروا حين سئلوا : من خلق السماوات والأرض ؟ أن اللّه هو خالق ذلك كله مما لا سبيل إلى معرفة ما قالوا وادعوا إلا بالرسل ، وهم ينكرون الرسل ، فكيف ادعوا ما ادعوا وهم ينكرون خبرهم ؛ لأن من ادعى ولدا لغائب لا يعلمه إلا بخبر صادق ، وكذلك معرفة الملائكة إنما هو بخبر يأتيهم ، ثم هم ينكرون الأخبار والرسل ؛ فتناقض دعواهم وتضمحل ، على ما ذكرنا . ثم أخبر عنهم ما يظهرون من الحزن عندما يولد لهم من الإناث ، وما يلحقهم من الكراهة في ذلك بقوله - تعالى - :
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ .
هامش
( 1 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير ( 30787 ) وعبد بن حميد وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 717 ) وهو قول السدي .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 154 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم