تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
وقوله :
وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ . وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
: فيه دعاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الصبر بما يعامله قومه ؛ حيث ذكر له أن من أرسل من الرسل الذين كانوا قبله عاملهم قومهم من الاستهزاء بهم والأذى لهم مثل معاملة قومك إياك ، فصبروا على ذلك ، فاصبر أنت على أذى قومك إياك وسوء معاملتهم ، واللّه أعلم . وفيه أنه يرسل الرسول وإن علم منهم أنهم يكذبونه ، وكذا ينزل الكتاب وإن علم منهم أنهم يردونه ولا يقبلونه ؛ لأنه ليس يرسل الرسول ولا ينزل الكتب لمنفعة نفسه ، ولا لدفع المضرة عن نفسه ، ولكن إنما يرسل وينزل لمنفعتهم ، ولدفع المضرة عن أنفسهم ، فسواء عليه أن قبلوه أو ردوه ، وليس كملوك الأرض إذا أرسلوا رسولا وكتابا إلى من يعلمون أنهم يكذبون رسلهم ويردون كتابهم ، يكونون سفهاء ؛ لأنهم إنما يرسلون لحاجة أنفسهم ؛ أو لدفع المضرة ؛ فحيث لم يحصل غرضهم ؛ بل يلحقهم بذلك ضرر وزيادة صدّ له واستخفاف ، لم يكن ذلك حكمة ، بل يكون سفها ، فأمّا اللّه - سبحانه وتعالى - إذا لم يرسل وينزل لجرّ النفع ودفع الضرر ؛ بل لإلزام الحجة وإزالة العذر ، ونحو ذلك كان حكمة ، واللّه الموفق . وقوله - عزّ وجل - :
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ
فيه تحذير أولئك الكفرة أن ينزل بهم بتكذيبهم الرسول ، وسوء معاملتهم إياه ، كما نزل بأولئك الكفرة المتقدمين بتكذيبهم الرسل ، وسوء معاملتهم إياهم ، واللّه أعلم . وقوله :
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً
يحتمل وجهين : أحدهما : أي : أهلكنا من كان أشد قوة وبطشا من هؤلاء ، ثم لم يتهيأ لهم الامتناع لشدة قوتهم وبطشهم عما نزل بهم من العذاب ، فعلى ذلك لو نزل لهؤلاء لم يتهيأ لهم الامتناع مع ضعفهم . والثاني : أن يكون قوله :
أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً
وصف ذلك العذاب الذي نزل بهم ؛ أي : ملك العذاب أشدّ منهم بطشا ؛ فلا يمتنع عمله ؛ لبطشهم وقوتهم ، أما إذا كان شدة العذاب وبطشه دون بطشهم ربما لا يعمل ولا يؤثر فيه ؛ لذلك وصف العذاب بكونه أشد منهم بطشا ، وهو كقوله - تعالى - :
إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
[ إبراهيم : 7 ] ، واللّه أعلم . وقوله :
وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ
، هذا يخرج على وجهين : أحدهما :
وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ
أي : صار عذاب الأولين عبرة وعظة ومثلا للمتأخرين ، كقوله :
فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
[ البقرة : 66 ] . والثاني :
وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ
أي : مضى عذاب الأولين ، وهو عذاب الاستئصال ؛