تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
أقل في القدرة والأعجوبة ؟ واللّه الموفق . وقوله - عزّ وجل - :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ .
جائز أن يكون ذكر هذا على سبيل النعت والوصف لله - تعالى عزّ وجل - صلة لقوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ
الذي وصفه أنه جعل الأرض كذا وأنزل كذا . ويحتمل أن يكون أراد : ولئن سألتهم عن الأرض وما ذكر أنه من جعلها مهدا ؟ ومن جعل لهم فيها سبلا ؟ فقالوا : اللّه جعل ذلك على ما قالوا في السماوات والأرض . وفيه وجوه من الدلالة : أحدها : يذكرهم نعمه عليهم ؛ حيث جعل هذه الأرض بحيث يمهدونها ، ويفترشونها ، وينتفعون بها بأنواع المنافع ، وبحيث مكن لهم الوصول إلى حوائجهم التي فرقها في الأمكنة المتباعدة بما جعل لهم فيها سبلا وطرقا يسلكون فيها ليصلوا إلى الحوائج التي فرقت في البلدان المتباعدة ، ما لولا جعله فيها السبل والطرق التي جعل ما قدروا السلوك فيها ، ولا عرفوا أنهم من أي جهة يصلون إلى حوائجهم التي فرقت ؟ فيلزمهم بما ذكر القيام بشكره على تلك النعم . وفيه دلالة حكمته ؛ ليدلهم أنه إنما جعل لهم ما ذكر لحكمة ، لم يجعلها عبثا باطلا ؛ فيلزم حيث فرق حوائجهم في أمكنة متباعدة ثم مكن لهم الوصول إليها ؛ ليعلم أن الذي ملك أنفسهم هو مالك أطراف الأرض ؛ إذ لو كان هذا غير مالك ذلك ، لمنعهم عن الوصول إلى حوائجهم . وفيه دلالة قدرته ، حيث جعل لهم في الأرض ما ذكر من التسخير لهم ، حتى ظهروها ويفترشوها ويسلكوا فيها السبل التي جعلها لهم إلى حيث أرادوها وقصدوها ، ومكن لهم ذلك ليعلم أن من قدر على ما ذكر لا يعجزه شيء . وقوله - عزّ وجل - :
وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ .
فيما ذكر من إنزال الماء من السماء ، ونشره في الأرض ، وإنبات النبات فيها بذلك الماء دلالة من الوجوه التي ذكرنا في قوله :
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً
فإنه أنزل الماء من السماء ؛ ليكون في الأرض أنواع النعم التي ذكر ، وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما ؛ ليعلموا أعظم نعمه عليهم ، وليعلموا أن مالكهما واحد ، وما
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 151 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم