تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
والثاني : قوله :
خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ
أي : خسروا بسبب أنفسهم ، وبسبب أهليهم ؛ كقوله - تعالى - :
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[ التغابن : 15 ] ؛ لما يعملون أمورا بسبب الأموال والأولاد والأزواج ، هي فتنة لهم ، وكقوله :
إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ
[ التغابن : 14 ] فقد يخسر الرجل ويصير مؤاخذا بسبب هؤلاء . والثالث : يحتمل أن يكون خسرانهم أنفسهم وأهليهم ما قالوا :
وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
[ الكهف : 36 ] ، وقوله :
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
[ فصلت : 50 ] خسر ما كان رجاه وطمع أن له عند ربه في الآخرة للحسنى . على هذه الوجوه الثلاثة يخرج تأويل الآية . وعن ابن عباس - رضي اللّه عنه - أنه قال : ليس من أحد من كافر ومسلم إلا وله أهل ومنزل في الجنة ، فإن أطاع اللّه - تعالى - أتى منزله وأهله ، وإن عصاه خسر نفسه وأهله ، ومنزله في الجنة وورثه المؤمنون عنه . لكن لا يحتمل أن يكون اللّه - عزّ وجل - مع علمه أنه يموت كافرا أن يجعل له الأهل والمنزل في الجنة ، اللهم إلا أن يفعل ذلك ليكون لهم حسرة على ذلك وغيظا . وقوله :
وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
يخرج على وجهين : أحدهما : أي : ما كان للأصنام التي عبدوها دون اللّه تعالى ولاية النصر لهم وقدرة دفع العذاب عنهم ؛ لأنهم كانوا يعبدونها في الدنيا رجاء أن تشفع لهم في الآخرة وأن تزلفهم ، فأخبر اللّه - تعالى - أن ليس لها ولاية النصر لهم ؛ على ما رجوا وطمعوا من عبادتها الشفاعة لهم والدفع عنهم ، واللّه أعلم . والثاني :
وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : ما كان للرؤساء الذين اتخذوهم في الدنيا أربابا ولاية النصر لهم ؛ لأنهم لا يملكون دفع ذلك عن أنفسهم ، فكيف يملكون دفع ما نزل بأتباعهم ؛ يخبر أن ليس لهم ولاية دفع العذاب عنهم ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ
يحتمل قوله :
فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ
أي : من حجة ، أي : من أضله اللّه ، فلا حجة له أن يقول : إنك أضللتني ؛ لأنه إنما يضله لما يختاره ويؤثره . والأصل : لا أحد يفعل ما يفعل من المعاصي وقت فعله لأن اللّه تعالى قضى له ذلك أو أراده ، أو قدره وقضاه ؛ إنما يفعله لغرض له وهواه ؛ فلم « 1 » يكن له الاحتجاج عليه بذلك ، وبالله العصمة .
هامش
( 1 ) في أ : لم .