حيث قال :
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ .
ويحتمل أن يكون قوله - تعالى - :
وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ
راجع إلى الأذى باللسان ؛ من نحو الشتيمة ، والسب ، والذي لا يؤثر في النفس أثرا ، حثهم على المغفرة والعفو ، ومدحهم على ذلك .
وقوله :
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ
راجع إلى ما يؤثر في الأنفس والأبدان تأثيرا من الجراحات وغيرها ، حثهم على العفو فيما يرجع إلى الأذى باللسان ، وألا يكافئوهم على ذلك ، وفيما رجع إلى الأنفس والأبدان جعل لهم الاستيفاء والانتصار ، وإن كان ترك الاستيفاء والعفو عن الكل أفضل ؛ على ما قال :
وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
[ البقرة : 237 ] .
وقوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
سمى الثانية : سيئة وإن لم تكن في الحقيقة سيئة ؛ لأنها جزاء السيئة ؛ فسمّاها باسم الأولى .
أو سماها : سيئة ؛ لأنه لو لم تكن الأولى كانت سيئة ثانية - أيضا - فسماها على ما هو في نفسها من باب الإضرار والضرر - سيئة في نفسه ، وإن كان حسنا لغيره ، واللّه أعلم .
ويشبه أن يكون سماها بما ذكر ؛ لاختلاف الأحوال : هي عند الذي يقتص منه ويجازى بها سيئة ، وتلك الحال عنده سيئة ، وهو كقوله - تعالى - :
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ
[ الأعراف : 168 ] سمى حالة الضيق والشدة : سيئة ؛ لأنها عندهم سيئة ، وحال السعة والرخاء : حسنة ؛ لأنها عندهم حسنة ، وإن لم تكن تلك الحال في الحقيقة سيئة ، لكنه سماها : سيئة على ما عندهم ؛ فعلى ذلك جائز أنه سمى الثانية : سيئة ؛ لما هي عند المفعول به سيئة ، واللّه أعلم .
وقوله :
فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
هو ما ذكرنا أنه وإن جعل لهم حق الاستيفاء والانتصار ، فالعفو عن ذلك أفضل .
ثم فيه دلالة ألا يجمع بين العفو وأخذ البدل إذا لم يكن من الآخر الرضا بذلك ؛ لأنه قال :
فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
أخبر أنه إذا عفا عنه يكون أجره على اللّه فليس له أن يأخذ من المعفو عنه شيئا ، واللّه أعلم .
فهو ينقض على من يقول بأنه يأخذ البدل من الجاني شاء أو أبى ، وأن يعفو عنه ويأخذ البدل ، واللّه أعلم .
وقوله :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
لأنه لا يحب الظلم ، والظلم : هو وضع الشيء في غير موضعه ، فمن أخذ ما ليس له أخذه فهو ظالم .