تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
ينفعه إيمان مؤمن ، ولا يزيد في ملكه ، ولا يضرّه كفر كافر ، ولا ينقص من ملكه . ويحتمل أن يكون قوله :
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
كقوله :
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ . . .
الآية [ آل عمران : 26 ] . ويحتمل أن يقول : له ملك السماوات والأرض ؛ أي : هو يؤتي الملك من له الملك في الدنيا ، وهو ينزع عمّن يشاء ؛ على ما ذكر في آية أخرى :
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ . . .
الآية [ آل عمران : 26 ] . وفيه نقض قول المعتزلة في خلق أفعال العباد منهم ، وإنكارهم أن يكون فعل اللّه - تعالى - مخافة وقوع الشرك في ذلك بينهم وبين اللّه - تعالى - فيكون ذلك فعل اللّه - تعالى - وفعل العبد ؛ إذ هو تفسير الشركة في الشاهد . فيقال لهم : إن اللّه - تعالى - قال : له ملك السماوات والأرض ، وقال في آية أخرى :
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ
[ الإسراء : 111 ] وقد رأينا الملوك في الدنيا ، ثم لم يوجب ذلك الشركة في ملكه ؛ لاختلاف المعنى والجهات ؛ إذ حقيقة الملك له ، ولغيره ليست حقيقة الملك ، إنما له ملك الانتفاع ، لا على الإطلاق ؛ فعلى ذلك أفعال العباد من الخيرات خلقا لله تعالى ، فيكون على قولهم غير خالق لأكثر الأشياء مما شاء ؛ وهذا لأن قوله :
يَخْلُقُ ما يَشاءُ
إما أن خرج على الوصف بالربوبية لله تعالى والألوهية ، أو على وجه الوعد والخبر بأنه يخلق ما يشاء . فإن كان على الوصف له بالربوبية ؛ فلا يكون ذلك وصف الربوبية ؛ إذ لا يكون خالقا لجزء من عشرة آلاف من الأشياء التي شاء أن يخلقها ، وإن كان على الوعد والخبر فيخرج كذبا على قولهم ، فنعوذ بالله تعالى من السرف في القول ، واللّه الموفق . وقوله - عزّ وجل - :
يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ
يخبر - تعالى - أن الأولاد جميعا من الذكور والإناث مواهب اللّه - تعالى - وهداياه ، فيجب أن يقبلوها منه قبول الهدايا والهبات على الشكر له والمنة ، ثم بدأ بذكر الإناث ثم بالذكور ؛ لأن من الناس من إذا ولد له الإناث يعدها مصيبة ، ويثقل ذلك عليه ، وعلى ذلك ما أخبر عن الكفرة أنهم إذا بشروا بالأنثى ظلت وجوههم مسودة بقوله - تعالى - :
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
[ النحل : 58 ] يخبر عن ثقل ذلك عليهم ، وغيظهم على ذلك فبدأ بذكر ذلك ؛ لئلا يعد أهل الإسلام الأولاد الإناث مصيبة وبلاء على ما عدها الكفرة ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً
، التزويج : هو الجمع بين الشكلين