تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
سألوا أن يكلفهم ويمتحنهم في الآخرة ؛ ليظهروا الطاعة لله - تعالى - في أوامره ونواهيه ، واللّه أعلم . وقوله :
وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها
قال أهل التأويل « 1 » : يعرضون على النار قبل أن يدخلوها ؛ كقوله - تعالى - :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
[ الفرقان : 12 ] وكقوله - تعالى - :
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ . . .
الآية [ الفجر : 23 ] . وقوله - عزّ وجل - :
خاشِعِينَ
من الذل ؛ لأن اللّه - تعالى - أذلهم في الآخرة بما اختاروا في الدنيا من سوء صنيعهم ، وأعطوا أنفسهم شهواتهم ومناهم . وقوله - عزّ وجل - :
يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
يحتمل ما ذكر من نظرهم من طرف خفي ما ذكر في آية أخرى :
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ
[ إبراهيم : 43 ] ؛ هو لشدة هولهم وفزعهم في ذلك اليوم لا يرفعون رؤوسهم ، ولا ينظرون إلى موضع . ويحتمل أن يكون قوله :
يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
أي : لا ينظرون إلى الناس ، ولا يقبلون بوجوههم إليهم إلا نظر التلصص والتغفل ؛ حياء منهم ؛ لسوء فعالهم ، وهكذا المعروف في الناس ؛ لأن من صنع إلى آخر سوءا لا يتهيأ له رفع الطرف إليه ونظره إليه متصلا إلا على التلصص منه والتغفل ؛ فعلى ذلك أولئك ، واللّه أعلم . وقال بعض أهل التأويل « 2 » : إنهم يحشرون عميا ؛ فلا يرون بأعينهم ، إنما يرون بقلوبهم ، وهو الطرف الخفي . وقال القتبي :
يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
، أي : قد غضوا أبصارهم من الذل . وقال أبو عوسجة : أي : ينظرون نظرا مستقيما ، واللّه أعلم . وقوله :
وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ . . .
، الآية . يخرج ما ذكر من خسران أنفسهم وأهليهم على وجوه : أحدها : ما ذكر بقوله - تعالى - :
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً
[ التحريم : 6 ] أمروا بأن يقوا أنفسهم وأهليهم النار ، فهم حيث لم يقوا ما ذكر من الأنفس والأهل خسروا ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) قاله البغوي ( 4 / 131 ) . ( 2 ) قاله ابن جرير ( 11 / 159 ) ، والبغوي ( 4 / 131 ) .