تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
وأصله : أن الخلق ذو أعداد ، وكل ذي عدد له أشكال وأمثال من حيث العدد . والأصل في ذلك : أن الخلق وإن كانوا ذا أمثال وأشكال وأشباه ، فليس يشبه بعضهم بعضا من جميع الوجوه وكل الجهات ، ولكن إنما يشبه بعضهم بعضا [ لا ] من جميع الوجوه ، أو بوجه أو بصفة ، أو بجهة أو بنفس ، ثم صار بعضهم أمثالا لبعض وأشباها بتلك الجهة وبذلك الوصف ؛ فدل أن الله - تعالى - ليس يشبه الخلق ، ولا له مثال منهم بوجه من الوجوه ، ولا له شبه منهم ، لا ما يرجع إلى النفس ، وهو يتعالى عن جميع معاني الخلق وصفاتهم ، ودل قوله - تعالى - :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
: أنه شيء ؛ لأنه نفى عن نفسه المثلية ولم ينف الشيئية ، لكن يقال : شيء لا كالأشياء ينفى عنه شبه الأشياء ، والشيء إثبات ، وفي الإثبات توحيد ، ولو لم يكن شيئا لكان يقول : ليس هو شيئا ؛ دل أنه ما ذكر . وقوله - سبحانه - :
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
ذكر في غير موضع ، واللّه الموفق . وقوله - عزّ وجل - :
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، وقال في آية أخرى :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ
[ الأنعام : 59 ] وقوله :
وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ المنافقون : 7 ] ، وقوله :
بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
[ يس : 83 ] ، ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر المفاتيح والمقاليد والخزائن التي أضافها إلى نفسه ، ثم لم يفهم الخلق من المفاتيح المضافة والمقاليد والخزائن ما يفهم لو أضيف إلى الخلق ؛ بل فهموا من المفاتيح المضافة إلى الخلق والمقاليد المنسوبة إليهم معنى لم يفهموا ذلك المعنى من المفاتيح والمقاليد المضافة إلى الله - تعالى - فما ينبغي أن يفهموه من قوله :
بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
[ يس : 83 ] ، وقوله - تعالى -
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
[ المائدة : 64 ] ، وقوله :
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ
[ ص : 75 ] ، ونحو ذلك ما يفهموه من اليد المضافة إلى الخلق ، لكنه ذكر المفاتيح والمقاليد وأضافها إلى نفسه ، لأن كل محجوب ومستور عن الخلق فيما بينهم إنما توصلهم إلى ذلك المحجوب والمستور عنهم بالمفاتيح والمقاليد التي ذكر ؛ فعلى ذلك ما أضاف إلى نفسه من اليد وغيرها ؛ لما باليد يبسط في الشاهد ، وبها يمنع ، وبها يكتسب ويفعل ما يفعل ؛ فأضاف إلى نفسه ما به يكون في الشاهد من الفعل والبسط والمنع كناية عن هذه الأفعال ، واللّه الموفق . وقوله :
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
فيه دلالة نقض قول المعتزلة ؛ لأن الرزق المذكور يحتمل وجوها : أحدها : ما ذكر في قوله - تعالى - :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
[ الذاريات : 22 ] ،
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 110 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم