ويحتمل أن يكون اختلافهم الذي ذكر هو اختلافهم في اللّه - تعالى - كقوله :
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ
[ الشورى : 16 ] .
وقوله :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي
، أي : ذلكم الذي اختلفتم فيه هو ربي
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
، أي : عليه اعتمدت ،
وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
، أي : إليه أرجع .
ثم نعته فقال :
فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، وقال هو في موضع آخر :
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ فاطر : 1 ] ، وفي موضع آخر :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ الأنعام : 1 ] ، وقال في موضع آخر :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ البقرة : 117 ] .
قال بعض الباطنية : المبدع : هو الذي ينشئ الأشياء لا من شيء ، والخالق : هو الذي ينشئ الشيء من شيء ولا من شيء ، والفاطر : هو الذي ينشئ من شيء أو نحوه من الكلام .
وعندنا أن هذه الأسماء وإن اختلفت ألفاظها وافترق اشتقاقها ومأخذها ، فهي في المعاني واحدة ، الإبداع هو الإنشاء بلا احتذاء سبق ، والخلق هو الإنشاء والتقدير ، لكن غيره لا يجوز أن يسمى : خالقا ؛ لأنه لا يقدر على تقدير شيء إلا على مشاهدة : عاينه ورآه ، والفاطر كأنه مأخوذ من الشق ، يشق الشيء ويخرج منه أشياء ، كله خلق ، وفاعله خالق على الحقيقة ، وهو اللّه تعالى ، وبالله القوة والتوفيق .
وقوله :
جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً
أي : جعل من نفس آدم وحواء - عليهما السلام - أزواجا نسبنا جميعا إليهما ؛ لأنهما الأصل ، وإنا جميعا إنما كنا من ذلك الأصل ، وهو كنسبته إيانا إلى التراب بقوله :
خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ
[ الروم : 20 ] وإنما خلق أصلنا من التراب ، لكنه نسبنا إليه ؛ لما منه كنا جميعا ؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله :
جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً
أي : من نفس آدم وحوّاء ، ونسبنا إليهما ؛ لما منهما كنّا جميعا ، واللّه أعلم .
والثاني : يقول : جعل بعضكم من بعض أزواجا أي : حلائل ، أي : خلق الإناث من الرجال ، والرجال من الإناث ، وهو ما ذكر في آية أخرى :
خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها . . .
الآية [ الروم : 21 ] .
والثالث : أي : جعل لكم من مثل خلقكم أزواجا ؛ أي : أصنافا وأشكالا ، جعل الخلائق كلها ذات أشكال وأمثال ، وذات أزواج ، وكذلك يخرج قوله :
وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً
على وجهين :
أحدهما : يقول - واللّه أعلم - : إنه جعل الأنعام - أيضا - ذات أزواج وأشكال .