تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
ومن الناس من يقول :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ
أي : شرع لكم الدين ، ويجعل
مِنَ
صلة زائدة فيه ؛ أي : شرع لكم الدين الذي وصى به نوحا ومن ذكر ، والوجه فيه ما ذكرنا . فإن قيل : [ ما ] معنى تخصيص نوح ومن ذكر من الأنبياء هنا ، والكل بعثوا للدعاء إلى هذا الدين ، وقد وصى الكل بهذا الدين . فنقول : قال بعضهم « 1 » : إنما خص نوحا ومن ذكر بهذا ؛ لأن التحليل والتحريم لم يكن قبل زمن نوح عليه السلام ، وإنما جاء ذلك في زمن نوح ؛ لذلك خصّ نوحا بما ذكر . ويحتمل أن يكون ذكر هؤلاء لا على تخصيصهم بذلك من بين غيرهم من الأنبياء ، ولكن ذكر بعضا هاهنا ، وترك ذكر البعض ، ليس أنه شرع له ما وصى به نوحا ومن ذكر من الأنبياء ولم يشرع له ما وصى به غيرهم ؛ بل شرع له ما وصى به هؤلاء وغيرهم من الدين ، كقوله - تعالى - :
فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام : 90 ] ذكر بعض هؤلاء وغيرهم ، ثم أمره أن يقتدي بما هم عليه ؛ دل أن ذكر البعض في موضع ليس للتخصيص ، لما ذكر البعض في موضع آخر ، والكل في موضع آخر ، واللّه أعلم . ويحتمل تخصيص هؤلاء بالذكر لمعنى لم يطلعنا اللّه على ذلك المعنى ، كما خص إبراهيم بالصلاة عليه على ما أمرنا به النبي صلى اللّه عليه وسلم لقوله : « كما صليت على إبراهيم » « 2 » لمعنى لم يطلعنا على ذلك ، واللّه أعلم . وقوله :
وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
يحتمل وجهين : أحدهما :
وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
، أي : في عبادة اللّه - تعالى - أي : اعبدوه جميعا . والثاني :
وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
أي : في الدين الذي ذكر ، وهو التوحيد ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
أي : عظم عليهم دعاؤكم إلى التوحيد وعبادة اللّه وحده . وقوله :
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
هذا ينقض على المعتزلة : إنه - تعالى - أخبر أنه يجتبي إليه من يشاء ، ولو كان على ما يقوله المعتزلة أنه قد أعطى الكافر جميع ما أعطى المؤمن ، فالمؤمن حيث صار مجتبى مصطفى مختارا إنما كان منه بفعله لا من اللّه - تعالى - وقد أخبر أنه هو يجتبي من يشاء ، وهو يهديه ؛ فبطل قولهم . وقوله :
وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
أي : هو يهدي من يطلب منه ما به يكون الهدى ، وهو التوفيق ؛ أي : ما لم يطلب منه ذلك ولم يسأل فإنه لا يهدي به ولا يوفقه .
هامش
( 1 ) قاله قتادة بنحوه ، أخرجه ابن جرير ( 30635 - 30636 ) . ( 2 ) تقدم .