تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
وقال بعضهم :
وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
تفسير قوله - تعالى - :
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ
أي : يجتبي للهداية من ينيب إليه ، فأمّا من لم ينب إليه فلا يجتبيه للهداية ، لكن المراد من الهداية - هاهنا - ليس هدى البيان ؛ لأن هدى البيان قد كان عامّا لمن أناب إليه ومن لم ينب ، ولكن الهدى - هاهنا - هدى الرحمة ، أو هدى النعمة ، والنعمة سمىّ التوحيد والإيمان مرة : رحمة ؛ كقوله - تعالى - :
وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ
[ الشورى : 8 ] ، وسمّاه : نعمة ؛ كقوله :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
[ الفاتحة : 7 ] ، وسمّاه : منة ؛ كقوله - تعالى - :
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ
[ الحجرات : 17 ] ، وسماه : نورا ؛ كقوله تعالى :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
[ الزمر : 22 ] ؛ فلذلك قلنا : إن الهدى المذكور - هاهنا - ليس هو هدى البيان ، ولكن سواه ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ
هذا يخرج على وجوه : أحدها : أي : أنهم تفرقوا في رسول اللّه محمد - عليه أفضل الصلاة - بعد ما جاءهم العلم في كتبهم أنه رسول ؛ لما كانوا يجحدون نعته وصفته في كتبهم ، لكنّهم اختلفوا وتفرقوا ؛ فآمن بعضهم به على ما وجدوه في كتبهم ، وكفر بعضهم ، وحرفوا ما في كتبهم من نعته وصفته ، واللّه أعلم . والثاني : أي :
وَما تَفَرَّقُوا
فيما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم من الدين
إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ
؛ إذ الذي جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم هو الذي وصى به نوحا ومن ذكر من الأنبياء عليهم السلام . ويحتمل أي :
وَما تَفَرَّقُوا
في الإيمان بالرسل والكفر بهم
إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ
أنهم على الحق ، وأنهم رسل اللّه مبعوثون إليهم ، فتفرقوا ، فآمنوا بالبعض ، وكفروا بالبعض بغيا بينهم . ويحتمل : أي :
وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ
: أن الفرقة ضلالة وهلاك ، وعن علم بالفرقة أنها ضلال وهلاك تفرقوا ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
بَغْياً بَيْنَهُمْ
يحتمل : حسدا بينهم ؛ لما قيل : إنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يبعث ؛ لما وجدوا نعته وصفته في كتبهم ظنّا منهم أنه يبعث منهم ، فلما بعث من غيرهم حسدوه وكفروا به واللّه أعلم . ويحتمل قوله :
بَغْياً بَيْنَهُمْ
أي : عدوانا وظلما يكون فيما بينهم ذلك التفرق . وقوله :
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
أي : لولا كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب عنهم إلى وقت وإلا كانت الكلمة منه في تعجيل العذاب بهم ،