تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
خصوصية لهم ؛ لأنه كان اتخذ للأتباع أصناما يعبدونها وجعل للملإ عبادة نفسه وإلهيته ، لما لم ير الأتباع أهلا لعبادة نفسه جعل لهم عبادة الأصنام ، ورأى الملأ أهلا لذلك ؛ فخصهم ، ومنه اتخذت العرب عبادة الأصنام دون الله ؛ لما لم يروا أنفسهم أهلا لعبادة الله ، وقالوا :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] . وقوله :
فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً
قال أهل التأويل « 1 » : أول من اتخذ الآجر هو ، ولا نعلم ذلك ، يحتمل أن يكون من قبل ذلك . وقوله :
فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً
أي : قصرا
لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى
كان يعرف أنه ليس إله السماء والأرض ؛ إذ لا يملك ذلك ، فكأنه أراد بقوله :
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
قومه وأهله خاصة
وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ
كأن جميع ما كان بين موسى وفرعون من الكلام كان على الظن ؛ كقوله :
إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً
[ الإسراء : 101 ] وكذلك قال له موسى :
وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً
[ الإسراء : 102 ] . وقوله :
وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
الاستكبار : هو ألّا يرى لنفسه شكلا ولا نظيرا ، وهو كذلك ، كان لا يرى لنفسه شكلا ولا نظيرا ؛ لأنه يدعي لنفسه الربوبية والألوهية ، واستكبار قومه لما استعبدوا هم بني إسرائيل ، واستخدموهم ، أو استكبروا أن يخضعوا لموسى ويجيبوا له إلى ما يدعوهم إليه . وقوله :
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ
أخذناه أخذ تعذيب وإهلاك
فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
يعذبون بظلمهم . وقوله :
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ
ذكر في هؤلاء : أنه جعلهم أئمة في الشر ، وذكر في الرسل وأهل الخير : أنه جعلهم أئمة في الخير ؛ حيث قال :
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ
[ الأنبياء : 73 ] وما قال :
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
[ آل عمران : 104 ] فكان من الله - تعالى - في أهل الخير صنع ومعنى حتى صاروا بذلك أئمة الخير ما لم يكن ذلك منه بأهل الشر وأئمة السوء فيرد على المعتزلة ؛ لأنهم يقولون : لم يكن من الله - تعالى - إلى الرسل وقادة الخير إلا وقد كان ذلك منه إلى كل كافر وفاسق . فلو كان على ما قالوا لكان لا يحتمل أن يصير هؤلاء أئمة الخير وأولئك أئمة الشر بأعمالهم أيضا ، وإن كان ما من الله إليهم على السوء ، لكن يضاف ذلك إلى الله بأسباب تكون منه ، وكانت حقيقة ذلك منهم بعملهم ؛ نحو :
إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ
هامش
( 1 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير ( 27454 ) ، وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 244 ) .