تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
وقوله :
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ
بالضم ، والرهب بالفتح ؛ قد قرئ بهما جميعا . ثم قال بعضهم : هو على التقديم والتأخير ، قوله :
مِنَ الرَّهْبِ
موصول بقوله :
أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ
من الرهب ، أي : الخوف والغرق . وقال بعضهم : أمره أن يضم يديه إلى نفسه ؛ لأن ذلك أخوف وأهيب وأعظم من إرسالهما ، وذلك معروف أيضا في الناس أنهم إذا دخلوا على ملك من الملوك ضموا أيديهم وجناحيهم إلى أنفسهم ؛ تعظيما لهم وتبجيلا ، أو خوفا منهم . فعلى ذلك جائز أن يأمره بضم يديه إلى نفسه ؛ ليكون بين يدي ربه أهيب وأخوف ما يكون ، وأعظم ما يجب له ، وهو ما قال له :
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً
[ طه : 12 ] . وقوله :
فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ
أي : اليد والعصا ، اللتان ذكرهما
بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ
أي : حجتان
إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
. وقوله :
قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ . وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً
. وقال في سورة الشعراء :
قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ . . .
إلى قوله :
فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ
[ الشعراء : 14 ] أخر في هذا ما كان مقدما في الذكر في ذلك ، وذكره على اختلاف الألفاظ وتغيير الحروف ؛ ليعلم : أن ليس على السامع حفظ الألفاظ والحروف بعد إصابته المعنى ، وفهم ما قصد بها وأودع فيها ؛ لأن الله ذكر هذه الأنباء والقصص التي كانت من قبل في القرآن على اختلاف الألفاظ ، وتغيير الحروف ، على التقديم والتأخير ، والزيادة والنقصان ؛ ليعلم أن المقصود والمراد بذكرها ما فيها ، لا عين اللفظ والحروف ، فإذا عرف ما فيها وفهم جاز الأداء بأي لسان كان ، وبأيّ لفظ كان ، والله أعلم . وقوله :
هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً
يحتمل وجوها : أحدها : أمّا أهل التأويل « 1 » فإنهم قالوا : كان في لسانه رتة أي : عقدة لما أدخل في فمه من النار ؛ فذلك لا نعلمه ، وقد قال في آية [ أخرى ] :
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي . يَفْقَهُوا قَوْلِي
[ طه : 28 ، 29 ] فيجوز أن يكون ذلك خلقة خلقه هكذا ، على ما خلق بعض الخلق أفصح وأبين من بعض . أو أن يكون لما ذكر له من الخوف والذنب ما لم يكن ذلك لهارون ، ولا شك من اشتد به الخوف منع صاحبه عن التكلم والبيان ، وذلك متعالم معروف في الناس ، وهو ما قال :
هامش
( 1 ) قاله البغوي ( 3 / 445 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 167 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم