قوله تعالى :
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 43 إلى 46 ]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 43 ) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 44 ) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ( 45 ) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 46 )
وقوله :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى
من نحو عاد ، وثمود ، وهؤلاء الذين كانوا من قبل من الأمم ، أي : أرسلناه بعد هلاك من ذكر ؛ حتى يعتبر الناس ، يشبه أن يكون قوله :
بَصائِرَ لِلنَّاسِ
أي : هلاك من ذكر من القرون الأولى بصيرة وعبرة لمن يكون من بعدهم ؛ لينزجروا بذلك عن تكذيب الرسل ، ويكون ذلك آية لرسالة موسى .
والثاني : أن يكون قوله :
بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً
أي : الذي آتاه الله موسى هو بصائر وهدى ورحمة لهم إذا قبلوه واتبعوه وعملوا به ، وكذلك كان جميع كتب الله هدى ورحمة وبصيرة لمن آمن بها وعمل بها .
وجائز أن يكون هذا جوابا وصلة لقولهم :
ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ
[ المؤمنون : 24 ] يقول - والله أعلم - : إنكم لا تسمعون ذلك في آبائكم الذين اتبعوا رسلهم ، فأجابوهم ، فأما من كذبوهم فإنا أهلكناهم بتكذيبهم الرسل واستأصلتهم ، والله أعلم .
وقوله :
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ
قال بعضهم : جانب الغربي : حيث تغرب الشمس والقمر والنجوم ، والشرقي : حيث تشرق وتطلع .
وقال بعضهم : بجانب الغربي ، أي : بجانب الوادي الغربي ، والله أعلم ما أراد به .
وقوله :
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ . .
. . وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ
أي : مقيما
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا
يحتمل وجوها :
أحدها : أنك لم تكن شاهدا هذه المشاهدة التي شهدها موسى حيث قضينا إلى موسى الأمر بجانب الغربي ، ولم تكن شاهدا هنالك ، وما كنت في أهل مدين ثاويا حتى تعلم أمر موسى وحينه ، وما كنت بجانب الطور حيث نادى : يا موسى ونحوه ؛ أي : لم تكن شاهدا هذه المشاهدة التي كان موسى شاهدا فيها ، ثم أعلمناك بتلك الأنباء والأخبار على ما كانت لتتلو تلك الأنباء والأخبار على أهل مكة ؛ فتكون آية لنبوتك ، وحجة لرسالتك ؛ إذ لم تشهدها ولا اختلفت إلى أحد ممن يعرفها فعلمك ، ثم أنبأت على ما كانت ؛ ليعرفوا أنك إنما عرفت بالله تعالى .