تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
. جائز أن يكون هذا موصولا بقوله :
نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ
؛ على التقديم والتأخير ؛ فكأنه قال : إنما نسارع في الخيرات للذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى آخر ما ذكر لأولئك الكفرة ، جائز أن يكون على الابتداء وصف الذين آمنوا ونعتهم ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
، أي : من عذاب ربهم خائفون . وقوله :
وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
. الإيمان بالآيات يكون إيمانا بالله حقيقة ؛ لأن الآيات هنّ الأعلام التي تدل على وحدانية الله وربوبيته ، والإيمان هو التصديق ، فإذا صدّق آياته ، وهن أعلام وأخبار تخبر عن وحدانية الله ؛ فإذا صدقها صدق الله وآمن به ؛ لذلك قلنا : الإيمان بآياته يكون إيمانا بالله . وقوله :
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ
. أي : لا يشركون غيره في عبادتهم . وقوله :
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا
. وفي بعض القراءات : والذين يأتون ما أتوا ، مقصورة ، وهي قراءة عائشة « 1 » . فمن قرأ : والذين يأتون ما أتوا تأويله ، أي : الذين يعملون من عمل وجلت له قلوبهم ، أي : يتقبل منهم أم لا ؟ ومن قرأ :
يُؤْتُونَ ما آتَوْا
فهو من الإعطاء والإنفاق ؛ يقول : والذين يعطون وينفقون ما أنفقوا ، وقلوبهم وجلة : أن ذلك يقبل منهم أم لا ؟ وفيه دلالة أن المطيع فيما يطيع ربّه يكون على خوف منه كالمسيء في إساءته ، وكذلك روي عن عائشة أنها سألت رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم عن هذه الآية ، قالت : « أهم الذين يشربون الخمر ، ويسرقون ، ويزنون ؟ فقال : لا ؛ ولكنهم الذين يصومون ، ويصلّون ، ويتصدقون ، وهم يخافون ألا يقبل منهم « 2 » :
أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
» .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 25558 ) وسعيد بن منصور وأحمد والبخاري في تاريخه وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أشتة وابن الأنباري معا في المصاحف والدارقطني في الإفراد والحاكم وصححه وابن مردويه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 22 ) . ( 2 ) أخرجه الحميدي ( 275 ) ، وأحمد ( 6 / 159 ، 205 ) ، والترمذي ( 3175 ) ، وابن ماجة ( 4198 ) ، وابن جرير ( 25559 ، 25560 ) ، والحاكم ( 2 / 393 ) ، وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب ، كما في الدر المنثور ( 5 / 21 ) .